*كلمات* .. في محاولة الليكود تعويض خسارته في تل أبيب بترسيخ أقدامه بالرباط… وها هم يدخلون القصر الملكي بـ «السوفطما» !*

أحمد ويحمان
× لم يعد الأمر يحتاج إلى كثير من الجهد الفكري، ولا إلى تشغيل الخيال السياسي، لتمثل ما ظللنا نحذر منه، منذ سنوات، بشأن مشروع نقل «إسرائيل» إلى المغرب، أو استنبات نسخة منها في بلادنا. فها هي المشاهد المتداولة تقدم، بالصوت والصورة، مادة جديدة تستدعي التوقف والتأمل والمساءلة. وفد من القادمين من كيان الإبادة الجماعية، في مشهد يقدمه صاحبه على أنه جرى داخل فضاء القصر الملكي، وأشخاص يتحركون تحت إمرة قائدهم بهندام هو عبارة عن الملابس الداخلية، أو ما نسميه في الدارجة المغربية بـ«السوفطما»، في وضعية استعراض لا تخطئ العين ما تثيره من أسئلة حول هيبة المكان واحترام رمزية الدولة. بل إن ما يلفت الانتباه أكثر هو ذلك السلوك الاستعراضي، ورفع الأيدي وإظهار شعر الإبطين، مع ترديد عبارات من قبيل «الله يبارك في عمر سيدي»، في مشهد لا يتعلق فقط باللباس أو بالذوق، وإنما بما يطرحه من أسئلة عن طبيعة الرسائل التي يراد تمريرها، وعن الجهة التي أتاحت لهذا الوفد أن يتحرك بهذه الصورة، وعن معايير الاستقبال والضبط والمراقبة في فضاء بهذه الرمزية والسيادة.ولأن الأمر ليس مجرد انطباع عابر، فإن سؤال الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، المصاحب للفيديو المتداول، والمطروح على جميع المغاربة، في محله تماماً : كيف يمكن لأشخاص بهذه الهيئة أن يدخلوا إلى باحات المشور، وأن يتحركوا ويصيحوا بكل تلك الأريحية؟ ومن يكون هذا الغلام الذي يقود الوفد؟ ومن يرعاه؟ وما حرفته؟ وأين إقامته؟ سؤال مفتوح، كما قال صاحبه، على أن يأتي الجواب لاحقاً. وهنا ندعو القراء الكرام إلى متابعة هذا السؤال تحديداً، وانتظار الجواب بعد ساعات قليلة، مع العلم أن القصة التي تقف وراء قائد هذا الوفد لها جوانب عجيبة، سبق أن أثرنا بعضها في مناسبات سابقة، ونكتفي اليوم بالتنبيه إلى أن ما سيأتي في الجواب يستحق المتابعة والتدقيق.. ولاسيما التحرك اللازم !وليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا المشهد في أعقاب تداول خبر محاولة تأسيس ما سمي «حزب الوحدة»، الذي ظهرت في وثيقته تسمية عبرية هي «مفلغت هليكود»، أي حزب الليكود الإسرائيلي. وهو خبر ما يزال في حدود ما تم تداوله، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره تأسيساً حزبياً حُسمت قانونيته أو استكملت شروطه. لكن مجرد ظهور هذه التسمية، وما تحمله من إحالة مباشرة إلى حزب الليكود، يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام مجرد مبادرة حزبية معزولة، أم أمام محاولة للانتقال بالتطبيع من مستوى العلاقات والاتفاقات والزيارات إلى مستوى استنبات أدوات سياسية ورمزية محلية تتبنى مرجعيات وشبكات وروايات مرتبطة بالكيان؟ ويزداد السؤال إلحاحاً حين نستحضر أن الدستور المغربي، في فصله السابع، يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وأن المادة الرابعة من القانون التنظيمي رقم 29.11 تنص على بطلان تأسيس حزب يرتكز على أساس من هذه الأسس. “. إننا، إذن، أمام انتقال إلى السرعة الأعلى. ولعل من دلالات هذا التوقيت أن حزب الليكود، الذي ارتبط اسمه بمجرم الحرب بنيامين نتنياهو وبسياساته، يجد نفسه أمام تحولات سياسية وانتخابية في داخل الكيان، فيما تظهر في المغرب محاولات لاستثمار فضاء التطبيع وتوسيعه، وربما تعويض ما يتعرض له المشروع من ارتباكات في موطنه الأصلي بتوسيع مجال نفوذه في بلد آخر ، وهنا يجب التنبيه إلى أن تزامن وتشابه الرموز والمرجعيات يستدعيان بحثاً جدياً، لا الاكتفاء باعتبار كل واقعة حادثاً منفصلاً عن سياقها.ولنتذكر، في هذا السياق، ما سبق أن أثارته قضية المدير السابق لمكتب الاتصال الصهيوني بالرباط، المجرم غوفرين، وما كان بسببه موضوع بحث ومساءلة في وزارة الخارجية الصهيونية حول اتهامات خطيرة بالاعتداء والاستغلال الجنسي داخل مقر المكتب، وما رافقها من تصريحات ومراسلات منسوبة إليه. ومن بين ما سبق وتداولناه في هذا الباب، رواية أنه حين نبهته مستشارته شامة درشول إلى أن تصريحاته تنطوي على إهانة للملك، أجاب بأنه يتعمد إهانته. وهي واقعة تكشف عن نمط بالغ الخطورة في التعامل مع رموز الدولة والمجتمع المغربيين. فالإهانة هنا لا تكون مجرد زلة لسان، بل تصبح، في القراءة السياسية، فضلا عن كونها وسيلة لاختبار الحدود وقياس ردود الفعل، استراتيجية للاعتماد عندما يتم الاطمئنان إلى مردودها الكبير في توفير مناخات للابتزاز الدائم.ثم جاءت تصريحات أخرى للمدعو محمد أوحساين التي قال فيها أن الملك يهودي ولا علاقة له بآل البيت، وما قاله المدعو يوسف أزهري بمتحف اصدقاء صهيون في كيان الإبادة ” محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صهيوني ! في سياق يرتبط باسم جاكي كادوش، “ممثل” الطائفة اليهودية بمراكش . وهنا السؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا يتكرر استهداف الرموز الدينية والوطنية في بعض الخطابات المرتبطة بمسار التطبيع ؟ ولماذا يبدو أن هناك من يتعامل مع مشاعر المغاربة ومقدساتهم وكأنها مجال متاح للاختبار والاستفزاز ؟ . ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه لا يشتغل في واجهة واحدة، ولا يكتفي بالسياسة والدبلوماسية. إنه يتسلل، بحسب ما تثيره بعض المبادرات والوقائع من أسئلة، عبر التاريخ والجغرافيا والذاكرة والفضاء العام. فقد تابع المغاربة، قبل أشهر، مشهد مجموعة من الحاخامات وهم يقيمون طقوساً دينية بمحاذاة سور باب دكالة التاريخي بمراكش، في واقعة أثارت نقاشاً واسعاً حول حدود حرية الممارسة الدينية، واحترام الفضاءات التاريخية، وما إذا كان الأمر مجرد زيارة دينية عابرة أم محاولة لتقديم المكان في صورة رمزية جديدة. وقد نقلت وسائل إعلام مغربية ودولية تفاصيل الواقعة . والمسألة التي نتوقف عندها ليست حق أي إنسان في ممارسة شعائره الدينية، فهذا حق لا ينازع فيه عاقل، ولكن لا يجوز الخلط بين حق وحرية المعتقد وبين الصهيونية. فالمسألة هنا هي تحويل المواقع التاريخية المغربية إلى منصات لإنتاج رموز جغرافية وسياسية جديدة، وإعادة تأويل المكان وفق سرديات لا تستند بالضرورة إلى البحث التاريخي الرصين. ومن هنا تأتي خطورة محاولات تقديم بعض المواقع باعتبارها امتدادات لخرائط توراتية، أو تحويلها إلى «حائط مبكى» جديد !ولنتذكر، في هذا الباب، ما يثار بشأن ادعاء اكتشاف «أورشليم» صغيرة؛ هي إفران الأطلس الصغير، والحديث عن قبور أنبياء بني إسرائيل في جنوب المغرب، ثم ما رُوّج بشأن بقايا جدران قرية تامدولت الأمازيغية، في ناحية طاطا، باعتبارها ـ وفق ترهات المدعو عبد الخالق كلاب وضيوفه في قناته ـ بقايا عاصمة نبي الله صمويل !!! وهي مزاعم وخزعبلات لا يمكن أن تصبح حقائق تاريخية بمجرد تكرارها في حلقات أو برامج أو منشورات، لا رائحة فيها لأي منهج للبحث الأثري والتاريخي والوثائقي، ويتم تقديمها للمغاربة في صورة اكتشافات محسومة ” ببركة اليهودية ” كما قالت إحدى ” الباحثات في الأركيولوجيا حلت بمنطقة طاطا على رأس وفد من ” الباحثين ” بمنج البركة !!!. إننا هنا أمام سؤال معرفي وسيادي في آن واحد : من يملك حق كتابة تاريخ المغرب؟ ومن يحدد دلالات جغرافيته؟ وبأي أدوات علمية يجري التحقق من هذه الروايات؟ وهل المطلوب هو البحث العلمي في تاريخ اليهود المغاربة، وهو جزء – رغم محدودية حضوره – من تاريخ حقيقي وأصيل، أم إعادة رسم خريطة البلاد على مقاس سرديات سياسية معادية وخطيرة جدا ؟ إن الفرق شاسع بين صيانة الذاكرة اليهودية المغربية، باعتبارها جزءاً من تاريخ الوطن، وبين تسخير هذه الذاكرة لتأسيس دعاوى سياسية وتاريخية لا سند علمياً لها لتمرير أجندة الاحتلال الصهيوني بالمغرب .ومن مظاهر هذا المسار أيضاً ما يثار بشأن إنشاء منصات إعلامية تحمل أسماء ذات حمولة إسرائيلية، من قبيل «معاريف»، و صفحة تحمل اسم «موساد المغرب» لصاحبته المدعوة هدى بلقاضي الحلوي وإسمها الحركي في الاستخبارات الصهيونية الموساد ( إستر دهان ) ، فضلاً عن أسماء وواجهات إعلامية وشبكات تواصل اجتماعي تطرح أسئلة حول مصادرها وأهدافها وطبيعة ارتباطاتها. إن هذه التسميات والمضامين المتداولة يطرح سؤالاً مشروعاً حول محاولات صناعة صورة ذهنية عن وجود امتداد محلي لأجهزة ومؤسسات الكيان، وحول الجهات التي تقف وراء هذه المنصات وتمولها وتوجه خطابها، وعلاقة كل ذلك بالعمل في الأرض لتجسيد كل هذه المظاهر، وصولا إلى ما أسماه عراب هذا المشروع المستشار الملكي أندري أزولاي، فيما يسميه ” توحيد الهياكل ” بين المغرب وكيان الإبادة والإجرام . وهنا نعود إلى جوهر ما كتبناه أمس في «كلمات» عن «الحزب اليهودي» بالمغرب، وعن الوثيقة التي استحضرت اسم الليكود الإسرائيلي، وعن سلسلة المحاولات التي تناولناها في مقالات سابقة، من «الملك يهودي» إلى «قرآن بورغواطة»، ومن «المغرب أرض يهودية» إلى «المملكة المقدسة لبني إسرائيل»، ومن محاولات إعادة تأويل التاريخ الأمازيغي إلى توظيف بعض المواقع والرموز المغربية في سرديات توراتية. فهذه الوقائع، وإن اختلفت واجهاتها، تضعنا أمام ضرورة فحص الخيط الناظم بينها : هل نحن أمام مجرد مبادرات متفرقة، أم أمام *مسار متدرج* لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة والرموز والمؤسسات؟وما يزيد الأمر إلحاحاً هو أن هذه التحركات تأتي في سياق استمرار حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني واستباحات مقدسات المغاربة في مسرى رسولهم الكريم المستهدف بالهدم والذي تمنع فيه الصلاة !!!، وفي وقت تتسع فيه الإدانات الدولية لسياسات كيان الاحتلال، وتتعرض فيه حكومة نتنياهو لمواجهات سياسية وانتخابية داخلية. وهنا تبرز المفارقة التي يختزلها عنوان مقالنا : محاولة الليكود تعويض خسارته في تل أبيب بالرباط. فبدلاً من أن تكون الهزائم والانتكاسات التي يتعرض لها المشروع الصهيوني مناسبة لمراجعة الموقف من سياساته ومحاسبة المسؤولين عن جرائمه، نرى خدام التطبيع يسعون إلى توسيع حضوره في مجتمعات أخرى، وإلى تحويل العلاقات الرسمية إلى جسور للنفوذ السياسي والثقافي والإعلامي لرموز وثقافة الإبادة المنبوذة في كل العالم !!!. وليس من حق أحد أن يتعامل مع المغرب باعتباره مجالاً مفتوحاً لتجريب هذه المشاريع، أو أن يختزل الدولة في ترتيبات دبلوماسية، والشعب في جمهور مطالب بالتصفيق. فالمغرب ليس فراغاً تاريخياً ولا جغرافياً، ولا بلداً بلا ذاكرة، ولا شعباً بلا كرامة. كما أن العلاقات الدولية، مهما كانت طبيعتها، لا تلغي حق المجتمع في مساءلة ما يجري باسمه، ولا تعفي المؤسسات من واجب حماية السيادة والرموز والفضاءات الوطنية.إن ما نحتاجه اليوم ليس بيانات تطمين عامة، ولا تجاهلاً للمشاهد المتداولة، وإنما توضيحات رسمية دقيقة : ما حقيقة الوفد الذي يظهر في الفيديو؟ وما طبيعة زيارته؟ ومن الجهة التي استقبلته أو نسقت تحركاته؟ وما طبيعة الفضاء الذي ظهر فيه؟ وكيف تم اختراق البروتوكول المعمول به؟ ومن يتحمل مسؤولية ما وقع إن ثبتت الوقائع كما تبدو في التسجيل؟ ثم ما حقيقة المبادرات السياسية والإعلامية التي تستحضر أسماء مؤسسات وأحزاب صهيونية في كيان الإبادة الجماعية، وما مدى مطابقتها للقانون المغربي؟ إن المساءلة هنا ليست استهدافاً لدين أو مكون من مكونات المجتمع المغربي، مهما صغر حجمه، ولا هي دعوة إلى التضييق على حرية معتقد اليهود المغاربة أو أي معتقد آخر ولو كان يهم بضعة أفراد معدودين. إنها مطالبة بالشفافية، وبحماية القانون، وبالنسرولية في منع توظيف التنوع المغربي الأصيل في مشاريع سياسية خارجية. فاليهود المغاربة جزء من تاريخ المغرب، أما الليكود والصهيونية فهما مشروع سياسي استعماري إرهابي يهدد وحدة وتماسك المغرب .. ولا يقبل التهاون بإزاءه أبدا . *آخر الكلام* ما كان بالأمس تحذيراً من محاولة نقل «إسرائيل» إلى المغرب، أصبح اليوم مشاهد ووقائع وأسئلة تتطلب أجوبة، من الوثيقة التي استحضرت اسم الليكود، إلى طقوس باب دكالة، ومن الأساطير التوراتية التي يجري إسقاطها على جغرافية المغرب، إلى الواجهات الإعلامية والسياسية التي تتناسل بأسماء ودلالات مثيرة للانتباه، وصولاً إلى مشهد الوفد الذي يظهر في الفيديو بلباس «السوفطما» في فضاء ذي رمزية سيادية. إننا هنا لا ندعو إلى شيطنة أحد، ولا إلى الخلط بين اليهودية والصهيونية، بل أمام ضرورة التمييز بين حرية المعتقد ومشاريع النفوذ، وبين البحث العلمي وتزوير التاريخ، وبين العلاقات الدبلوماسية والتطاول على كرامة الدولة والمجتمع. إن الانتقال إلى السرعة الأعلى يفرض بدوره انتقالاً إلى مستوى أعلى من الشفافية والمساءلة وحماية السيادة الوطنية. أما الذين يراهنون على أن تعوض الرباط ما يخسره الليكود في تل أبيب، فعليهم أن يدركوا أن المغرب لا يمكن أن يكون فرعاً سياسياً لأي حزب صهيوني، ولا ملحقاً جغرافياً بأي سردية توراتية، ولا فضاءً مستباحاً لاستعراضات الإهانة. المغرب ليس للبيع، وفلسطين ليست للنسيان، والتطبيع خيانةٌ وخطرٌ أصبح ماثلا أمام الجميع .وليتحمل كل ذي مسؤولية مسؤوليته.والتاريخ لا يرحم أحدا !ويا شعب المغرب .. انتباه !-
———————–×
باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع




