أحمد رباص-حرة بريس

في موضوع علاقة الفلسفة بالتاريخ، نعتبر في هذه السلسلة من الحلقات أن الأمر لا يتعلق بفهم مصطلح التاريخ باعتباره فرعا من العلوم الإنسانية يكون المؤرخ متخصصا فيه؛ أي في علم الماضي البشري، بل إن مصطلح “التاريخ” يحيل بدقة إلى الصيرورة البشرية ذاتها. السؤال إذن هو ما إذا كانت الفلسفة يمكن أن تؤثر على التاريخ.
أولاً، يتعلق الأمر بالتبعية التاريخية للفلسفة: التفكير الفلسفي هو رد فعل العقل على المحفزات التاريخية، والتجربة التاريخية هي مادة المفاهيم الفلسفية. ومع ذلك، يمكننا التحدث عن الخصوبة التاريخية للفلسفة حيث يمكن للفيلسوف، من خلال أفكاره، التأثير على الأفكار التي هي أصل العقائد السياسية الجديدة أو وجهات النظر العلمية الجديدة. نصوص الفلاسفة الكبار تكتسب راهنية بحيث تقاوم التاريخ لأن مؤلفيها، انطلاقا من سياقهم التاريخي، فكروا في الحالة الإنسانية. لذلك من الضروري تعلم تاريخ الفلسفة، أي ممارسة قراءة النصوص الفلسفية والتفكير مع مؤلفيها.
يقترح موضوع “الفلسفة والتاريخ” للتأمل المواجهة بين مفهوم رئيسي هو الفلسفة ومفهوم ثانوي هو التاريخ: النشاط الفلسفي وليس التاريخ هو مركز الاهتمام الرئيسي للتفكير. عندما نتحدث عن “الفلسفة” في علاقتها بـ “التاريخ”، دون مزيد من التوضيح، يجب ملاحظة أننا معرضون لسوء فهم. لأنه ، إذا كان مفهوم الفلسفة وفق تحليل الصيغة يجعل المرء يفكر في مبحث فكري معين، وهو التفكير المنهجي. في المقابل يشوب كلمة التاريخ، لفهم السؤال قيد الفحص، عيب كونه غني الدلالة بشكل مختلف، وبالتالي ملتبسا، وكما يؤكد ريموند آرون، فإنه يشير إلى “العلم التاريخي” وإلى موضوع هذا العلم، ألا وهو الماضي البشري. عندما نتحدث عن “الفلسفة” و”التاريخ”، من الضروري تحديد الفكرة التي تدور في ذهننا عن الجزء من الملفوظ الذي يعتي”التاريخ”
تنطبق نفس الكلمة بالفرنسية والإنجليزية والألمانية على الواقع التاريخي وعلى المعرفة التي نكتسبها منه. ,Histoire,History Geschichte تعني كلاً من مستقبل البشرية والعلم الذي يسعى الناس لتحصيله عن صيرورتهم (حتى لو تم تخفيف الغموض في الألمانية من خلال وجود كلمة Geschehen، التي لديها فقط أحد المعنيين الإثنين).
لا يمكن إهمال أي من هذين المعنيين في سلسلة من حلقات كهاته؛ لكن من الواضح أن فحص المشكلة سوف يعطي ميزة لفكرة التاريخ كموضوع للمعرفة التاريخية. يتعلق التفكير في الواقع، ليس فقط بالأحداث البشرية التي وقعت في الماضي، ولكن أيضا بصيرورة الإنسان. الماضي نفسه والحاضر ليسا سوى بعدين من أبعاد الزمز الثلاثة التي سيظهر فيما بعد أنه لا يمكن الفصل بينها بحدود واضحة، وبالتالي فإن السؤال هو ما إذا كان النشاط الفلسفي يمكن أن يؤثر على التاريخ المأخوذ بهذا المعنى الجدلي حيث يتم تضمين جميع أبعاد الزمن، فيما يتعلق بالناس، في نفس الوحدة الدينامية.
ومع ذلك، فإن الأفكار الفلسفية، مع الأنساق التي ضمنها تعبر عن نفسها، هي نفسها جزء لا يتجزأ من عناصر ثقافة الإنسانية، أو جزء من الإنسانية، التي تم أخذها في الاعتبار خلال حقبة من تاريخها.
بعبارة أخرى، عندما تكون الحياة الفكرية حيوية، يعامل المؤرخ الفلسفة بالوضع الإبستيمولوجي للتراث التاريخي: لا يستطيع المؤرخ المتخصص في قرن بريكليس، مثلا، عدم منح الأهمية للنشاط الفلسفي في ذلك القرن، وتجاهل محاكمة سقراط، وحياة وفكر تلميذه البارز، أفلاطون، والتلميذ البارز لهذا الأخير، أرسطو، الذي كان، من جهة أخرى، أشهر المعلمين الثلاثة للإسكندر الأكبر، أعظم شخصية فاعلة في التاريخ العالمي.
لا تتمتع الفلسفة، حتى في قرن بريكليس، بخصوصية الاهتمام التاريخي؛ ذلك ان الألعاب الأولمبية، المسماة “الألعاب اليونانية”، والنشاط الفني العظيم خلال هذه الفترة، مع المؤلفين التراجيديين مثل إسخيلوس، سوفوكليس، يوريبيدس، والمؤلفين الكوميديين مثل أريستوفان، أو الرسامين مثل زيوكسيس، كل ذلك ليس أقل أهمية تاريخية. لكن التفكير مدعو هنا للتركيز على جانب واحد من مشكلة العلاقة بين التاريخ وأعمال العقل؛ الا وهي الفلسفة.
ومن ثم فهي مسألة معرفة ما إذا كانت الفلسفة قادرة على التأثير في التاريخ الذي هي على وجه التحديد أحد عناصره. وبعبارة أخرى، تكمن المفارقة في أن الكل متأثر بالجزء.
لنتحدث الآن عن التبعية التاريخية للفلسفة. إن القول عن الفلسفة بأنها أحد مجالي التاريخ، أي أنها تتمتع، بالنسبة للمؤرخ، بالوضع الإبستيمولوجي للمادة الخاضعة للمعرفة التاريخية، مختلف عن الاعتراف بأنها تعتمد على التاريخ الذي يُفهم على أنه مجموعة الأحداث المتعلقة بالماضي البشري. الفلسفة هي إحدى الطرق التي يصنع بها الناس التاريخ، كل في زاويته أو معا.
حيثما وجدت، لا يمكن أن تفشل الفلسفة في إثارة فضول المؤرخ. يهتم البحث التاريخي بالضرورة بها باعتبارها إحدى خصائص الفترة والأشخاص الذين تمت دراستهم، بالمعنى الذي يقول به ريموند آرون ، متبعا صيغة رانكي الشهيرة، وهي أن أسمى ما يطمح إليه المؤرخ معرفة كيف حدث ذلك.
المؤرخ الذي أجرى بحثا عن فترة كان فيها النشاط الفلسفي رائعا، مثل اليونان على عهد بريكليس أو القرن الثامن عشر الأوروبي الذي وصفه كانط بقرن فريدريك العظيم، لا يمكنه شرح الأحداث بشكل صحيح دون مراعاة مساهمة الفلسفة؛ لا يمكنه المضي قدما كما لو أن الفلسفة حدثت في ذلك الوقت وفي المنطقة المعنية بآلية التوليد التلقائي.
علاوة على ذلك، سيكون مؤرخ الفلسفة نفسه مخطئا في دراسة النصوص الفلسفية فقط وفقا للترتيب الزمني لظهورها، دون الانغماس عميقا في التاريخ نفسه. سيخون الفلسفة والتاريخ معا إذا غابت عنه حقيقة أن الفلسفة التي يهتم بها كانت استجابة للاحتياجات التاريخية. إن شرح الأحداث علميا لا يعني تأريخها، ولكن إظهار العلاقات السببية التي ترتبط بها. فما هو موضوع المعرفة التاريخية؟
(يتبع)