بقلم ذ. المصطفى القادري – لندن

التبخيس الذي يطال تاريخا من العطاءات القيمة و التضحيات التي قدمها بتفان ثلة من الفاعلين، هو في الحقيقة جريمة في حق الماضي و الحاضر و المستقبل.

عندما تغيب الأرضية الفكرية المتينة و الرؤية الواضحة لرهانات مستقبل المغتربين المغاربة، بجانب الإصرار المرضي على تغييب التجارب السابقة و تراكماتها سواء السلبية منها أو الإيجابية و التي تشكل لا محالة مرجعا يمكنه اعتماده لمواصلة المسار و بناء الإستراتيجية التي أساسها المعرفة و التجارب المعاشة.
العديد من مقتحمي فضاءات المجتمع المدني على مر السنين، كان لهم ولا يزال دور أساسي في ملء الساحة بضجيج ملوث يفتح الباب على مصراعيه لدعاة التبخيس الظالم الذي ينكر المكتسبات المحققة طيلة سنوات بجرة قلم، بل أحيانا تذهب بهم الوقاحة إلى دمج الشرفاء من المناضلين و المناضلات في خانة واحدة مع معدومي الضمير و المروءة من الإنتهازيين و الفاسدين.
التبخيس الذي يطال تاريخا من العطاءات القيمة و التضحيات التي قدمها بتفان ثلة من الفاعلين، هو في الحقيقة جريمة في حق الماضي و الحاضر و المستقبل.
ليس من قبيل المبالغة وصف هاته المماراسات بالجرم في حق الإنسان المغربي المغترب، لأنها تسرق منه طاقاته و تحكم عليه بهدر الزمن و تكرار الأخطاء و المعاناة، و تحجب عنه المعلومة بوصفها الغنى الحقيقي و مصدر القوة في الزمن الراهن.

الخطاب المعمم الذي يسقط الحكم الجاهز ليشمل الكل أو الأغلبية دونما التفات لتقديم الدليل أو المعطيات التي استعملت لتأسيس صدقية القول أو الرأي، يعتبر في الحقيقة تزويرا و تطاولا على القواعد الأساسية للتفكير المنطقي. الموقف الجاهز الذي يحقق الراحة النفسية للبعض أمام توبيخ الضمير، أو المبرر المغالط الذي يختبأ خلفه أصحاب مقاربة الكسل و الإتكال في أفضل الأحوال.
الجهل المركب الذي استشرى بسبب شيوع وسائط التواصل الإجتماعي لتختلط المفاهيم وتعم الفوضى المعرفية، و تتطاول الجهالة والأكاذيب المغلفة بدثار المعرفة و تتلبس التفاهة جلباب المنطق و الحقيقة ليصبح الكثيرون يحملون أعراض القصور الفكري و المعرفي في خضم تعطل الية التفكير المنهجي.
الجهل المركب أخطر من الجهل ذاته لأن الإنسان الجاهل المدرك لجهله بالشئ قادر على بناء القابلية للتخلص من جهله من خلال التعلم، الإنسان المدرك لجهله شخصية متوازنة تعيش السلام الداخلي، لا ينظر إلى النصيحة بارتياب و لا يجد عناء في تقبل المعلومة.
العديد من الباحثين الأكادميين يؤكدون أن نوعا جديدا من الجهل تعمل المؤسسات التعليمية و الإقتصادية بجد وتفان من أجل محاربته، يتعلق الأمر بإنعدام القدرة على نسيان المعارف المتقادمة و استبدالها بالمعرفة الحديثة الأكثر تطورا و جدة، حيث أن أحد أكبر التحديات التي تواجهها مؤسسات كبرى ترتبط بمقاومة الأفراد العاملين لديها لنسيان المعرفة المكتسبة سابقا، مما يحول دون تحقق إمكانية مسايرة التقدم الإنساني، ليتم بالنتيجة إعتبار الإنسان المتعلم الذي يصر على عدم تجديد معارفه بالجاهل.

يصف العديد من الأكاديمين المعاصرين الإنسان المتعلم الذي يصر على مقاومة نسيان المعارف المتقادمة و يرفض عدم تجديد معارفه بالجاهل.

هذا المقال لا يدخل في إطار جلد الذات المجاني الذي يمارسه الكثير من المحبطين من خلال تعليق فشلهم الشخصي في تحقيق النجاح أو نتائج محترمة على مختلف الأصعدة. هذا العجز يؤسس لعقدة مرضية تؤثر سلبا على الفضاء العام حيث يحاولون إيجاد المبرر لفشلهم الإجتماعي و التعليمي و المهني و تحميل المسؤواية للأخر، في غياب نقذ موضوعي للذات للتعرف على عوامل تغيب لامحالة عن دائرة التحليل العقلاني.

المغتربون المغاربة لم يفشلوا أبدا في مشاريعهم الشخصية التي رسموها منذ البداية، و حققوا الكثير من الأهداف المسطرة و لا تزال المسيرة مستمرة لتحقيق المزيد.
نظرة سريعة للوراء كافية لوضع اليد على ما تم إنجازه، فالمغاربة هاجروا و في جيوبهم وريقة تختزل أمالهم و تطلعاتهم، عملوا بجد و ساهموا في بناء دول الإستقبال و تقوية إقتصاداتها، أسسوا مساجدهم التي تعد بالألاف، فتحوا مشاريعم الصغرى و المتوسطة على إمتداد الجغرافيا الأوروبية من مقاهي و مطاعم و أسواق و صالونات حلاقة وقاعات الحفلات و ورشات الخياطة و الميكانيك و شركات بناء و خدمات على إختلاف أنواعها و أشكالها.
لقد إشتروا شققهم و منازلهم و أرسلوا العملات إلى أرض الوطن سواء لمساعدة الأقارب أو بغية القيام باستثمار عقاري أنعش الإقتصاد الوطني و لا يزال.

الجمعيات و الفيدراليات و الفاعلين الإعلاميين و السياسيين على حد سواء ساهموا في تغيير الكثير من الأوضاع الإجتماعية و القانونية و بنوا قنوات تواصل للتحاور مع المؤسسات بدول الإستقبال ابتداء من أدنى المستويات إلى أعلاها وصولا إلى مواقع داخل المتلث الأخير في هرم السلطة في العديد من دول الإستقبال فتح المجال لطاقات متميزة من المغتربين الطموحين و المسار لم ينتهي و لا يزال مفتوحا لتحقيق المزيد إذا تظافرت الجهود الصادقة.

ألاف أبناء المغاربة الذين التحقوا بأسرهم في إطار التجمع العائلي أو ولدوا بأوروبا استطاعوا أن يحافظوا على الهوية و اللغة العربية بفضل الجمعويين الذين انبروا في كل موقع لتعليم اللغة العربية للأطفال حيث استفاد بفضل الجمعيات المغربية مغاربة و جزائريين و مصريين و تونسيين و مسلمي دول إفريقيا، و المجال الرياضي أيضا لم يكن استثناء.
بفضل جمعيات المغاربة، ظلت ملفات وطنية سيادية حاضرة في الساحة الدولية، بفضلهم تغيرت قوانين مجحفة… واللائحة المتعلقة بالمكتسبات التي تم تحقيقها طويلة بفضل مجهودات الفاعليين المدنيين و السياسيين لا يحصرها مقال لكنها حاضرة في حياة كل فرد كالشمس لا يغطيها غربال التجرأ و التفاهة و لا يخفيها ضباب الجهل أو التأمر.
المغاربة مواطنون مكافحون وشرفاء، تعلو محاياهم أنفة الفرسان، تاريخهم يشهد لهم بالكرم و الشجاعة و النبل. مناضلون صلداء بالصليقة، لا يقبلون الضيم، شامخون كدسر في صياصيها لا يهيبهم مكاء الجهلة و لا تغريهم تصدية نفاق عند سفح جبل.
من يصف المغترب المغربي بالفاشل، فليول الدبر باحثا لعله يسترجع عذرية كرامته التي فقدها خلال رحلة التيه الأخلاقي.

One thought on “الفاشلون بالمهجر، بين الجهل المركب و أجندات التبخيس”
  1. المرجو من الاخ القادري، وضع الفاصلة او الفاصل بين الجهل و التجاهل. بعني، هناك من جاهلا في موضوع ما و يدعي انه يملك المعرفة و هناك من هو مالح المعرفة و لكن يتجاهلها. و هذا الاخير هو الخطير في الامر، و هم كثيرون.

Comments are closed.