*كلمات* .. في “إسرائيل الكبرى” وغباء العرب

———————————
*البوريطية.. وحصة المغرب الأكبر !*
أحمد ويحمان
× في البدء يجب وضع ما يجري اليوم في سياقه الصحيح: نحن أمام عدوان صريح على دولة ذات سيادة، وعلى بلد مسلم، بدأته آلة الحرب الصهيونية–الأمريكية – التي لا تزال ترتكب المجازر في غزة، حيث ذُبح عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والمدنيين العزل – وقد دشّنته بمذبحة قتلت فيها أزيد من مائة وسبعين (+170) طفلة ومدرّساتهن في مدرسة ميناب الإيرانية.إنها واحدة من أبشع الجرائم في تاريخنا المعاصر، وقد حمّلت منظمة العفو الدولية الجيش الأمريكي المسؤولية عن هذه المجزرة بكل وضوح.فالمسألة لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل مشروع عدواني واسع تقوده واشنطن ويُنفَّذ عبر الكيان الصهيوني.ولم يعد هذا المشروع يخفي نواياه. فالتصريحات باتت فاضحة : – ترامب لا يتوقف عن الحديث عن انشغاله الدائم بما يسميه صغر مساحة إسرائيل على الخريطة .- والسفير الأمريكي لدى كيان الاحتلال، القس الصهيوني هاكابي، يتحدث عن “الحق التوراتي” للكيان في عدد من البلدان العربية وفي الجزء الأكبر من بلدان أخرى فيما بين نهري النيل بمصر والفرات بالعراق،* فيما يلوّح مجرم الحرب نتنياهو بخريطة “إسرائيل الكبرى”..وفي الأثناء يجري إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه طوال شهر رمضان، في اعتداء صارخ على المقدسات الإسلامية، ضمن مسار واضح يراد له أن ينتهي – وفق المخطط الصهيوني – بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه.
غير أن الفضيحة الأكبر ليست فقط في غطرسة المشروع الصهيوني، بل في القدر المدهش من غباء المسؤولين العرب في التعامل معه.. ‼️ ففي الوقت الذي بدأت فيه حتى دول كبرى داخل المعسكر الغربي تتجنب الانخراط في هذه المغامرة العسكرية وغير قانونية، نجد بعض الأنظمة العربية تسارع إلى إعلان الطاعة… بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا – وقبلها إسبانيا – اختارت، بدرجات متفاوتة، النأي بنفسها عن التورط المباشر في الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بينما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوضوح إن ما تقوم به إيران هو دفاع عن النفس.والمفارقة أن بعض دول الخليج وشبه الجزيرة العربية تبدو مهددة بالوقوع في فخ خطير يتمثل في التوريط في حرب ليست حربها… بينما وزراء دفاع غربيون يصرحون بوضوح بأنهم لن يشاركوا في حرب ليست حربهم – الوزير الألماني نموذجا ‼️ فالمسؤولون الإيرانيون يحرصون في كل تصريحاتهم على التأكيد أنهم لا يستهدفون دول الجوار، وأنهم متمسكون بمبدأ حسن الجوار والرابطة الإسلامية، وأن عملياتهم العسكرية تقتصر على الرد على مصادر النيران التي تُستخدم للاعتداء عليهم..بل إن المعطيات التي تكشفت في أكثر من حادثة أظهرت أن استهداف بعض المنشآت الاقتصادية والمدنية في بعض الدول المجاورة لم يكن من فعل إيران، بل من عمليات نفذها الكيان الصهيوني مستخدماً مسيّرات إيرانية مزورة ومستنسخة بهدف جرّ المنطقة كلها إلى الحرب وإشعالها من الداخل..ولهذا لم يكن غريباً أن تعلن بعض الدول الإقليمية بوضوح أنها لن تنجر إلى هذا السيناريو؛ فقد صرّح مسؤولون في تركيا، كما أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، وأكدت سلطنة عُمان، أن بلدانهم لن تشارك في أي حرب ضد إيران. وهي مواقف تعكس إدراكاً لخطورة الفخ الذي يُنصب للمنطقة.أما في المغرب، (وبعد انخراطها الكامل فيما يسمى مجلس السلام.. الذي بات مجلس حرب) .. ما تزال “البوريطية” تصر على المضي في طريقها بالبلاد نحو الهاوية، عبر الانصياع المفرط للمحور الأمريكي–الصهيوني، والتهافت غير المعقول في تبني مواقف لا تخدم مصالح المغرب ولا تاريخه ولا موقعه الطبيعي في قضايا الأمة.. تاريخيا ومصيرا حضاريا ( الموقف الأخير بمجلس الجامعة العربية )‼️حتى إن رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بن كيران لم يخف استغرابه يوماً من بعض هذه المواقف، فصرخ متسائلاً بما معناه :هل نحن أمام وزير خارجية المغرب أم وزير خارجية إسرائيل .. ؟! (وهو الموقف الذي شكل محطة أزمة جد حساسة في مارس 2023 فيما عرف بأزمة بلاغ الديوان الملكي بحق بيان للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية تضمن جملة : ” كأن بوريطة يمثل الخارجية الإسرائيلية …”) .ولا يزال مثال مؤتمر أديس أبابا للاتحاد الإفريقي شاهداً صارخاً على هذا المسار؛ حين طرحت جنوب إفريقيا والجزائر مسألة سحب صفة المراقب من الكيان الصهيوني بسبب طبيعته الإبادية والعنصرية الاستعمارية، لم يجد كيان الإجرام والفصل العنصري من يدافع عنه داخل القاعة إلا وزارة الخارجية المغربية، في موقف مخزٍ مرغ سمعة المغرب في الوحل أمام شعوب إفريقيا التي خبرت معنى الاستعمار والأبارتهايد .. لقد كانت لحظة كاشفة؛ فبينما كانت دول إفريقية عديدة تدافع عن كرامة القارة وعن القضية الفلسطينية، اختارت “البوريطية” أن تقف في صف كيان الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يستبيح مقدساتنا ويتآمر على منطقتنا.. ‼️والحال أن التطبيع في المغرب مرفوض شعبياً، ومفروض استبدادياً، و لا يعكس إرادة الشعب ولا تاريخه ولا هويته. غير أن الأخطر في هذه السياسة هو أن المغرب نفسه بلد مستهدف في مشاريع التفكيك والاختراق الصهيونية. فقد سبق أن استُهدف بحملات صهيونية خطيرة:مرة عبر الادعاء بأن “محمد رسول الله (ص) صهيوني!”، ومرة عبر الادعاء بأن الملك “يهودي” والتشكيك في نسبه إلى آل البيت (دون اي تفاعل للنيابة العامة مع تقارير و بلاغات المرصد المغربي لمناهضة التطبيع وعدد من الكلمات الميدانية في الفعاليات الشعبية أمام البرلمان بالرباط بشكل متواصل.. بل وجمود التفاعل القضائي برغم شكاية رسمية تقدم بها المرصد الى جانب عدد من الشخصيات الإعتبارية المغربية منذ أكثر من سنة ونصف..‼️) ، وأخرى عبر رفع دعاوى “منازعة” على العرش من خلال إسرائيلية تدعي أنها ابنة الملك الراحل وأنها أكبر سناً من الملك. ( ملف المدعوة جين بن زاكين ) .. وهي كلها – وغيرها – حملات تكشف أن المشروع الصهيوني لا يرى في المنطقة حلفاء بقدر ما يرى مجالات نفوذ قابلة للاستخدام والتفكيك. .. لا بل إن تصورات استراتيجية متداولة في الدوائر الصهيونية والغربية، وأصبحت تتصدر الفضائيات وكبريات الصحف، تتحدث صراحة عن إعادة تشكيل المنطقة عبر مشروعين متكاملين :الأول هو “إسرائيل الكبرى”، والثاني هو ما يسمونه “الولايات المتحدة الإبراهيمية”، وهو تصور يقوم على إعادة ترتيب خرائط المنطقة، بما في ذلك بعثرة بعض دول الخليج وبلاد الحرمين في إطار ترتيبات جيوسياسية جديدة.ومن هنا يصبح مفهوماً لماذا تبدو حصة المغرب من ضياع البوصلة لدى بعض الحكام العرب أكبر: فالمغرب مستهدف في العمق، ومع ذلك نجد بعض صناع القرار فيه يسيرون في الاتجاه الذي يخدم المشروع المعادي نفسه.. ‼️ في هذا السياق، جاء بيان علماء الأمة، قبل أيام، ليضع الأمور في نصابها الشرعي والأخلاقي، حيث أكد بوضوح تحريم أي اصطفاف مع العدوان ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واعتبر المعركة الجارية مواجهة بين الحق وبين ما وصفه البيان ب *”الباطل البيّن”.
* كما جاء توجيه العلامة المغربي الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، واضحاً وصريحاً حين قال: *”أنا مع إيران لأنهم مسلمون ومظلومون.”* وأضاف عبارة تختصر الموقف كله: *”من التبست عليه الأمور فلينظر إلى أي صف تكون فيه إسرائيل؛ الشر المطلق، وليأخذ موقعه في الجهة المقابلة لها.”* إنها قاعدة أخلاقية بسيطة، لكنها كفيلة بإزالة كثير من الضباب.
🔻 *آخر الكلام*
إن ما يجري اليوم ليس مجرد حرب عابرة، بل فصل من مشروع أكبر عنوانه “إسرائيل الكبرى” في المشرق العربي و “المغرب .. المملكة المقدسة لبني إسرائيل” في المغرب سبق وفصلنا فيه في *كلمات* سابقة .. غير أن المشكلة ليست فقط في هذا المشروع، بل في الغباء العربي الذي يفتح له الأبواب.وفي الحالة المغربية تبدو “البوريطية” نموذجاً صارخاً لهذه المفارقة : بلد مستهدف، لكنه يُدفع إلى تبني سياسات تخدم المشروع الذي يستهدفه .‼️
إنها سياسة يتأكد اليوم انها مفلسة سياسياً وأخلاقياً واستراتيجياً. والاستمرار فيها ليس مجرد خطأ في التقدير، بل مغامرة خطيرة بمصالح المغرب وسمعته وموقعه التاريخي. ولذلك فإن تدارك الأمر لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية.. فالمغرب أكبر من أن يكون تفصيلاً صغيراً في المشاريع الاستعمارية الخبيثة، وأكبر من أن تكون حصته من أخطاء المنطقة هي الحصة الأكبر من الغباء السياسي.
وآخر دعوانا أن اللهم اسق عبادك وبهائمك سقيا خير لا سقيا عقاب.آمين.
————————-
× باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع




