ترجمة: أحمد رباص


أقيمت مواقع مختلفة لإحياء ذكرى ملك المغرب الحسن الثاني، في الذكرى الأولى لوفاته، في أماكن كان فيها وجود السكان مهمًا بشكل خاص. إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن تشييد شاهد القبر في هذا التاريخ يشكل ممارسة تنتمي إلى طقوس الحداد اليهودي، فيمكننا القول إننا نكون، مع مأسسة هذا الطقس، أمام تقديس حضور ملك المغرب وسلطته في إسرائيل.
بالفعل في عام 1986، كان هذا الحضور ملموسا في عسقلان على شكل تمثال يحيي ذكرى المرحوم محمد الخامس، ولكن منذ عام 2000 رأينا الفضاء الإسرائيلي مغطى بأماكن للذاكرة المغربية، تم تعيينه رسميا من قبل رؤساء البلديات و”تقديسة”بمباركة خاصة من كبار الحاخامات المحليين (الأولون والأخيرون كلهم من أصل مغربي). هكذا تم تدشين شارع الحسن الثاني في كريات عقرون (بالقرب من رحوفوت)، حديقة في بيت شيمش، ساحة في سديروت شمال النقب، ساحة بتاح تكفا، حديقة في أشدود (حيث يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة، 70000 أصلهم من المغرب)، فضاء للتنزه في كيريات جات (51000 نسمة نصفهم تقريبا 25000 من المغرب).
تم إصدار طابع تذكاري، وتم إنتاج فيلم عن الملك، وأقيمت أمسيات مختلفة تخليدا لذكراه، ودفتر ذهبي تسجل فيه أسماء المتبرعين.
تم دعم هذه المبادرات من قبل منظمات المجتمع المدني المغربية الإسرائيلية، ولا سيما الجمعية التي توحد الشتات اليهودي المغربي: الاتحاد العالمي لليهودية المغربية ، ومقرها القدس ولكن لها فروع في المغرب والشتات.
لا يتمتع الحسن الثاني باعتبار مماثل في المغرب في الأوساط – بما فيها اليهودية – التي تتذكر سياسته القمعية والتي عانت من وحشية السجون المغربية الرهيبة. بالمقابل، كما رأينا للتو، فهو يتمتع بسمعة ممتازة، بل مثالية، في مخيلة اليهود المغاربة، والإسرائيليين على وجه الخصوص.
ذهب العديد من اليهود الإسرائيليين إلى حد الصلاة عند قبري محمد الخامس والحسن الثاني في ضريحهما بالرباط. ومن خلال طقوس الحدث باستخدام إيماءات خاصة بالحج إلى قبور القديسين اليهود وكتابة أسمائهم في الدفتر الذهبي، يضع المشاركون الملوك في قلب الممارسات الدينية اليهودية المغربية التقليدية. يبدو الأمر كما لو أن يهود المغرب، كما كتب أندريه ليفي، لم يغادروا المغرب أبدا، على الأقل فيما يتعلق بالروابط الثابتة التي تربطهم بالملك.
لقد حدث أكثر من مرة، مثلا خلال إحدى رحلات الحج اللاتعد واللاتحصى التي قام بها الإسرائيليون من المغرب إلى أماكن ولادتهم، أن الملك، الذي كان يعتبره المغاربة بالفعل من الأولياء الصالحين، قد تم تشبيهه بقديس يهودي، تتذرع الجماعة بحفظهم بالتصديق (رجل تقي). وهذا مثال جيد، بحسب أندريه ليفي الذي رافق الحجاج، على رابط الزبونية التقليدية التي تميز العلاقات بين اليهود والمسلمين في المغرب، والتي استمرت حتى بعد سنوات من الانفصال.
إن وجود صور الملك، وإيفاد ممثليه إلى أماكن الحج (قبور الاولياء اليهود)، التي استقبلتها الزغاريد التقليدية (المعبرة) عن ابتهاج النساء، وحضور جنود جلالة الملك الذين جاؤوا لضمان الأمن، كل ذلك يشكل الرموز التي أظهرتها السلطة المغربية لغاية توضيح علاقة التعايش.
لكن لماذا يستمر ذلك في إسرائيل؟ أحد الأسباب، الذي سمعناه أكثر من مرة في مقابلات أجريت في المغرب، هو أن المواطن المغربي يحتفظ دائما بجنسيته، حتى عندما يغادر بلده. وبنفس المنطق، فإن اليهود الذين غادروا المغرب يعتبرون أنفسهم مغاربة (مثلما يظل المرء يهوديا حتى عندما يتحول إلى دين آخر). يضمن هذا الإحساس بالاستمرارية في الحفاظ على الهوية يضمن الانتساب إلى “الملكية” (“نحن جميعًا أبناء الملك”) ويمكن بالتالي أن يفسر بناء هذا النوع الخاص من العلاقات والحفاظ عليه.
إذا عدنا إلى إسرائيل، (ووقفنا) على النصب الرخامي الواقع وسط ساحة مدينة بتاح تكوة الصغيرة، نجد، بجانب رمزي العلمين الإسرائيلي والمغربي، نقشا مزدوجا، بالعبرية والفرنسية، يبدو اليوم مفرطل في التفاؤل. إنه مخصص ل”لملك المغرب (1929-1999)، المحسن لليهود، الذي ساهم في إرساء السلام في المنطقة”.
يمكن العثور على نقوش مماثلة على آثار أخرى مخصصة للملك. لم يتم إدخال الممثل الرسمي للمغرب بهذه الطريقة إلى الموطن الإسرائيلي فحسب، بل وجد نفسه مرتبطا بآمال السلام، وهو أمر لا يستهان به بالنسبة لممثل دولة عربية.
صحيح أن الحسن الثاني كان المهندس للعديد من المبادرات الرسمية للسلام منذ عام 1985، عندما دعا شمعون بيريز للمجيء إلى المغرب. تم التحضير للاجتماع من قبل شخصيات إسرائيلية من أصول مغربية ويهود مغاربة، ولا سيما من قبل رافي أدري، عضو الكنيست عن حزب العمل، وصهره، ديفيد عمار، المستشار الاقتصادي للحسن الثاني، مما يظهر بوضوح زخم شبكات الشتات. تم في ما بعد إنشاء مقر دبلوماسيين باعضاء في كل من الرباط وتل أبيب سنة 1994 للسماح بالحد الأدنى من العلاقات الدبلوماسية، دون جذب الكثير من الاهتمام.
ورث الحسن الثاني بلا شك الهالة الأسطورية لوالده محمد الخامس، الذي حصل على لقب العادل بين الأمم، وهو لقب إسرائيلي ذو أهمية قصوى يُمنح لمن أنقذ اليهود من الإبادة. إننا ننسب إلى محمد الخامس العبارة الشهيرة التي قيلت في عهد نظام فيشي، والتي تنص على أنه “في المغرب، لا يوجد يهود، بل مغاربة فقط”.
لم يعمل ذلك سوى على تعزيز أسطورة محمد الخامس كحام لليهود، رغم الاعتراضات التي أثارها بعض المؤرخين. بغض النظر عن جدل المؤرخين حول الالتزام الحقيقي لهذا الملك، تظل الحقيقة أنه يحتل، مثل الحسن الثاني، مكانًة مفضلة في ذاكرة الإسرائيليين (المتحدرين) من المغرب.
وإذا كان محمد الخامس عادلا بين الأمم، فإن الحسن الثاني هو الذي سمح بنقل بقايا غرقى سفينة (Pisces) (المعروفة باسم إيجوز في إسرائيل)، والتي اختفت قبالة الساحل المغربي في 11 يناير 1961. كان على متن السفينة 44 يهوديا غادروا المغرب بطريقة غير شرعية للوصول إلى جبل طارق ومن هناك إلى إسرائيل.
منذ نهاية فترة الحماية (1956) وحتى الاتفاقات السرية بين الموساد والحسن الثاني في عام 1961، كان من الصعب جدا على اليهود مغادرة المغرب: تم ​​إصدار جوازات السفر بالتقطير، وبالتالي كانت الهجرة سرية في الأساس.
في عام 1992، بعد انصرام 31 عاما، أذن الحسن الثاني لوفد إسرائيلي بنقل رفات الغرقى من مقبرة الحسيمة العسكرية إلى جبل هرتسل في القدس، وهو مكان لإحياء ذكرى أولئك الذين سقطوا من أجل دولة إسرائيل. . بالنسبة لسام بن شيتريت، المسؤول عن العملية، شكلت هذه البادرة بالنسبة للملك “هدية إلى 750.000 من أبناء إسرائيل”. تولى الحسن الثاني مسؤولية النقل كعلامة تشجيع للمسار الذي سلكه إسحاق رابين وعملية السلام.
كانت هناك بالفعل آثار في ديمونا وأشدود لإحياء ذكرى مأساة باخرة (Pisces). إن نقل بقايا الغرقى إلى جبل هرتزل له معنى رمزي مختلف تماما لأنه مكان لإحياء الذكرى بامتياز، في قلب الاحتفالات بطقوس الدين المدني. تم إيداع الرفات في الضريح الوطني، وهو ما يرقى إلى الاعتراف بالمكوِّن الصهيوني للهجرة (الهجرة إلى إسرائيل) لليهود المغاربة، والذي غالبا ما يتم رفضه علنا، وإعادة دمج تاريخ المزراحيم (يهود الشرق) في الرواية الرسمية. وذلك فصل غالبا ما يتم تهميشه في التاريخ القومي الصهيوني. بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن الرحلة الأخيرة للجثث تتم تحت رعاية الملك قد أدمجت الموتى في عملية مصالحة واستعادة الاستمرارية بين الأماكن.
بالإضافة إلى وجود المغرب الرسمي في الفضاء العام الإسرائيلي، هناك أيضًا المغرب التجاري، مع انتشار المطاعم ومحلات الملابس والديكور، التي تدخل نمطا عرقيا مغربيا جديدا في المجتمع الإسرائيلي. – مغربي، كان غير معروف حتى السنوات الأخيرة . في الآونة الأخيرة، تم إدخال زراعة الأرغان المعدلة وراثيا، وهي شجرة نمت في المغرب في المناطق التي سكنها اليهود تقليديا، ما يجعل من الممكن صنع منتجات التجميل الفاخرة التي يتم تسويقها في إسرائيل. خلال الرحلة التي وصفها أندريه ليفي، حرص اليهود المغاربة على الحصول على لترات من هذا الزيت، لما يُفترض فيه من مزايا علاجية.
اكتسحت “المغربة” أيضا امكنة إسرائيل المقدسة. فمنذ وصول أبي حتزيرة، بابا سالي الشهير، إلى إسرائيل، وهو حاخام يتحدر من سلالة طويلة من أولياء تافيلالت، شهدنا عملية إعادة إحياء عبادة الاولياء الصالحين، التي كان يشترك فيها اليهود والمسلمون في المغرب. استطاع أفياد كلاينبرغ أن يكتب أن “المجتمع لا ينبغي أن يكون راضياً عن نقل تقاليده إلى الاولياء المحليين. كان يفتقد اولياءها الذين تركتهم وراءه في شمال إفريقيا”. أصبحت نتيفوت، حيث يقيم بابا سالي، مركزا جديدًا للتدين المغربي. عندما مات هذا الأخير، بنى له ابنه ضريحا مهيبًا أصبح أحد المراكز الرئيسية للحج الإسرائيلي. يزور الزعماء السياسيون الرئيسيون من أصل مغربي قبره وتجتذب الهيلولة (الحج السنوي) آلاف الزوار.
نصب ابن بابا سالي نفسه خليفة لأبيه، مواصلا بالتالي السلسلة الجنيالوجية لقديسي العائلة، انتشر اولياء جدد، ومزارات جديدة، ومعجزات جديدة في جميع أنحاء إسرائيل حيث يرقد هؤلاء الاولياء.
(يتبع)
المصدر: cairn.info

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube