محمد المباركي

تمهيد

العلاقة بين الدولة والمجتمع السياسي والمجتمع المدني متطورة على الدوام، تختلف من مجتمع لآخر ومن حقبة زمنية لأخرى ومن مدرسة فكرية ونظرية وعلمية لأخرى. لذا تظل المقاربات مختلفة وفي كثير من الأحيان متضاربة. حيت في نفس المدرسة تجد اختلافات جمّة، ناتجة على أهمية الاعتماد على هذا العامل أو ذاك في تكوين الطبقات والتشكيلات الاجتماعية. هل العامل المحوري سياسي أم اقتصادي، اجتماعي أم ثقافي؟ أم أن الأيديولوجيا بمختلف هي المرجعية الأساسية؟ المقاربة الأيدولوجية نظرا لخطابها الأحادي الجانب تفرض دائما نمط حكم سلطوي معادي للديمقراطية.

4 – التداخل بين المجتمع السياسي و المجتمع المدني

كما تمت الإشارة اليه، تنبهت الاشتراكية الكلاسيكية الى محدودية النظرة الإيديولوجية التي تحدد مهمة الدولة كأداة للسيطرة السياسية للطبقة البرجوازية على مجموع المجتمع، وذلك على مستويين. الأول بواسطة القمع المقنع بالقانون والثاني بواسطة هيمنة ثقافتها على باقي الطبقات. لكن هذا الإحساس بمحدودية النظرية الاشتراكية الكلاسيكية سواء عند أنجلز أو لينين، لم ترقي لفهم وتحليل دقيق يسمح تجاوز حل معضلة الصراع الطبقي عن طريق العنف المولد للعنق، أي عنف الثورة والثورة المضادة. أقر أنجلز ولينين معه أن الدولة البرجوازية، التي أصبحت فيما بعد بالليبيرالية لأنها تقبل بعدد الأحزاب والتنظيمات النقابية والجمعيات المختلفة، أي وجود مجتمع مدني الى جانب المجتمع لسياسي، أقرا – أنجلز ولينين-أن الدولة البرجوازية تخلق هيئات إدارية لها استقلاليتها النسبية.

أما ماركس فيبر مؤسس علم الاجتماع السياسي فقد طرح منظورا أكبر شمولية لما حدد الدولة، هي أساسا وجود سلطة على منطقة معينة تمارس العنف فيها باسم القانون. لكن ماركس فيبر لا يرجع العف لطبقة معينة كما عند الماركسية. بل أكد، وهذا هو المهم، حين طرح الى جانب شرعنة العنف كون الدولة الليبيرالية تخلف إدارة مستقلة عن الطبقات. وأن استقلالية الإدارة التي تعم كل مؤسسات الدولة، هي التي تضمن استمراريتها سلميا عبر التناوب على السلطة بين الفرقاء السياسيين. الأمر الغير ممكن في مجتمعات استبدادية أو التي يسود فيها نظام الحزب الواحد، ديكتاتوريا كان أو فاشيا.

اجتهاد غرامشي تجده عند تحليله لمعضلة السلطة الطبقية عبر مفهوم الهيمنة الثقافية، وذلك بعد أن فرق بين القمع الغير الشرعي في المجتمعات التقليدية التي نعتها بالشرقية على نمط الاستبداد الشرقي، الذي كان سائدا بروسيا القيسرية قبل ثورة أكتوبر، والدولة البرجوازية الليبيرالية التي تعتمد شرعنة القمع بواسطة مؤسسات قارة. حيث أكد في تفصيله التحليلي لآليات الهياكل المكونة للدولة الحديثة، على مفهوم المجتمع المدني والمجتمع السياسي. ولقد طورهما كلما تعمقت إحاطته بعمق تداخلهما. لذا نجد عنده بعض التفاوت في التحديد لحد نتساءل بعض المرات ما ذا يقصد بهذا المفهوم أو ذاك. المهم في المنهجية التحليلية الغرامشية، كونها لم تبق سجينة الإيديولوجيا، كحال منهجية أغلب المحللين الاشتراكيين شيوعيّين كانوا أم براغماتيّين. كان غرامسشي يطلق العنان للتفكير الحر ومنه يحدد المفاهيم وليس العكس. وهو في هذا كالعالم الذي يقم اختبارات عدة، قبل الوصول الى ابتكار مهمّ. نجده تارة يحدد المجتمع السياسي كونه البنية الفوقية للدولة التي تسمح باستعمال القوة والاكراه. والمجتمع المدني عبارة عن مجموع الهياكل داخل المجتمع من مؤسسات إدارية ونقابات وجمعيات، أي كل ما هو تجمع قطاعي محدود لكنها تعمّ كل الجسد المجتمعي، كأنها خلايا متحركة داخله. هذا التحديد الضيق للمجتمع السياسي والمجتمع المدني يوضحه جيدا، لما يضع المفهوم الثقافي كقناة يسريي عبرها دم الهيمنة الثقافية من البنية السياسية الفوقية/ ثقافة الطبقة المهيمنة، الى باقي أعضاء / هياكل المجتمع المدني أي البنية التحتية.

الذي يهمنا عند غرامشي الربط بين البنية الفوقية / الدولة / المجتمع السياسي والبنية التحتية / المجتمع المدني بقنوات عدة، تخص العامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلاقات الشعورية واللاشعورية في المجتمع عامة. أي كل ما يحدد شعب أو أمة عبر عادات وأعراف مشتركة وقيام دولة ليبيرالية / برجوازية. بعد هذا التشخيص يبين غرامشي أن العلاقة بين البنية الفوقية التي هي الدولة بمفهومها السياسي تفرض وجود مصالحها في السيادة بالسلطة والجاه والمال عبر مشروعية الاكراه والقمع الطبقي. لكن لقبول هذه الشرعية لا بد من فرض هيمنتها الإيديولوجية عبر فرض هيمنتها الثقافية داخل الهياكل المؤثرة في المجتمع المدني. داخل الهيمنة الثقافية، يصبح سقف المطالب النقابة للعمال محصورا في تحقيق مصالحهم الفئوية أو الطبقية خارج مطالب ومصالح الفئات والطبقات الأخرى. كما أن الموظفين في الإدارة يحددون مطالبهم في قضايا لا تتعدى محيطهم الخاص. وهو الشأن بالنسبة للمؤسسات العامة كالتعليم والصحة … أما المؤسسات الدينية فهي عادة مع الكفة الغالبة، بصفتها تتجاوز المصالح المادية ومعها المصالح الطبقية لتعم مجموع الفئات الاجتماعية. كونها –أي المؤسسات الدينية-تختص بالأمور الروحية. كل هذا طبعا مع احتفاظها بالمصالح المادية والمعنوية التي راكمتها عبر عصور هيمنتها المعنوية والمادية.

في نهاية المطاف يتوصل اغرامشي الى تحديد الدولة البرجوازية كونها في العمق تتشكل من المجتمع السياسي والمجتمع المدني وأن الرابط بين البنية الفوقية والبنية التحتية هو الهيمنة الثقافية لطبقة معينة. مقابل الهيمنة البرجوازية التي هي الليبيرالية بمفهوم حرية الاعتقاد والتنظيم، الا أنها تقر وتعمل على تحقيق مصالحا المادية، أي أنها تقدس الملكية الخاصة وتعمل نشر ثقافتها هذه. أولا، لتجعل من مبدأ قدسيّة الملكية الخاصة وحقوقية الفوارق الطبقة أمرا عاديا وضروريا لتحقيق التقدم المادي ومنه الرفاهية للجميع. ثانيا، لتمرير مشروعها المجتمعي وفرض هيمنته ثقافيتها على مجموع الطبقات الاجتماعية، عبر البرامج التعليمية والقانون والاعلام لنشر ثقافة تخدم هذا المشروع. ومنه يتم اسلاب الأغلبية من أفراد المجتمع الذين بعد تبنيهم لثقافة الطبة المهيمنة يدافعون عنها عبر الاقتراع وان ادعى الأمر عبر العنف. جوهر الثقافة الليبيرالية للطبقات البرجوازية في البدان الحداثية، أنها تضمن الحريات الفردية والجماعية والأمن وإمكانية كل واحد الارتقاء ليحقق طموحاته في كل المستويات، مادية أو معنوية. ان قوة تسويق الإيديولوجية / الثقافة البرجوازية يجد صداه داخل المجتمعات الحداثية نظرا لتطوير وسائل الإنتاج وتراكم الإمكانات الاقتصادية، مما سمح تحقيق المطالب الأساسية لغالبية أفراد مجتمعاتها مع فتح مجالات تسمح بحدود حريات فردية وجماعية متطورة في حدود مقتضيات القانون. مع تطور المجتمعات الليبيرالية وديمقراطياتها البرجوازية تتطور معها الحريات لتعم مرافئ متقدمة من فضاءات الحياة الاجتماعية. ان هذا التطور للحريات يحدث عبر صراعات اجتماعية يضبطها الاحتكام الى وفاق سياسي تؤطره مؤسسات سياسية تشريعية لضبط وتطوير القوانين التي تنفدها المؤسسة التنفيذية التي هي الحكومة وأداتها القمعية ومؤسسة العدالة للإكراه على تطبيقها.

مقابل سلطة وثقافة الطبقة البرجوازية يرى غرامشي ضرورة خلق أداة سياسية لنشر ثقافة إنسانية تدافع عن المساواة وتعاند الفوارق الطبقية عبر امتلاك وسائل الإنتاج والتوزيع العادل لفائض القيمة. ثقافة تعاكس الثقافة البرجوازية. أداة سياسية بوسعها تأطير الطبقات الكادحة ليس الدفاع عن مصالح طبقة أو شريحة ذوون الأخرى، بل أن كل مطالب تنظيمات المجتمع المدني، مهنة، ادارية، جمعوية…تصب كلها في نفس البوتقة الثقافية لفرض هيمنتها ومعها مشروعا السياسي الاشتراكي. بمعني آخر، داخل الوفاق المجتمعي المبني على العقد الاجتماعي، يمكن الوصول الى السلطة سلميا عبر الاقتراع العام. للوصول الى الهيمنة السياسية يفترض الاقناع والاقتناع بضرورة القيام بتحالفات للقوى الداعية لتغيير الدولة البرجوازية. بمعنى تجاوز منظور تحقيق الدولة الاشتراكية عبر ايديولوجية الحزب الواحد وسيطرته على زمام الدولة كما حصل بروسيا بعد قيام ثورة أكتوبر عام 1917.

الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه هو، سواء الثقافة الليبيرالية الرأسمالية أو الثقافة الاشتراكية بكافة فروعها، تنظّران معا لسيرورة تجاوز الدولة لتسيير المجتمع واضمحلالها النهائي. إذا كانت الثقافة السياسية لليبيرالية تنظّر كون اضمحلال الدولة يمر عبر حرية السوق. أي التبادل التجاري الحر الذي يسمح بتقنين العلاقات التجارية خارج إطار الدولة. بمعني أن الأسواق المالية والتجارية عند تحريرها من كل العوائق تصبح المراكز الاقتصادية الحرة لوحدها قادرة تأطير العلاقات الاجتماعية. عكسها ترى المنظورات الاشتراكية. كون اضمحلال الدولة، التي هي أداة السيطرة الطبقية، برجوازية كانت أو البروليتارية، يتم بالضبط عند جعل حد لسيادة السوق الرأسمالي وإخداعه للمصلحة العامة، حيث لكل فرد حسب متطلباته ضمن متطلبات وحاجيات غيره. اضمحلال الدولة في المنظور الاشتراكي، يعني تلاشي البنية الفوقية وسيادة البنيات التحتية للمجتمع. إذا تمعنا في هذا الطرح، اضمحلال الدولة الذي يعني سيادة الٍرأسمال العالمي في الثقافة الليبيرالية، يعاكسه سيادة مجتمع المجالس حيث عوض الديمقراطية التمثيلية عماد المجتمع البرجوازي، يتم اقرار الديمقراطية المباشرة، عماد المجتمع الاشتراكي وهذا كمدخل للمجتمع الخالي من الفوارق الطبقية.

5 المجتمع المدني والسياسي في مجتمع مخضرم كالمغرب

استعملت مدرسة العلوم الاجتماعية بالمغرب، وخاصة أحد أعلامها البارزين بول باسكون، مفهوم المجتمع المخضرم كتعبير عن مجتمع تتداخل فيه العلاقات التقليدية والحداثية وهذا على كل المستويات. لكن إذا كان هناك بوادر تحديثية في المجتمع المغربي، الا أن عمق علاقاته الاجتماعية يظل رهين هيمنة الثقافة التقليدية. لإثبات هذه الظاهرة الاجتماعية الثقافية، هناك المثل الحي الذي قدمه بول الباسكون لما تحدث عن الانسان المغربي العادي، الذي يقوم مبكرا لأداء صلاة الفجر، ثم يلبس بدلة عصرية، يركب دراجته النارية، يذهب للعمل أو السوق، أثناء الظهر، يمر على البك ليضع أو يخرج قسطا من مال. بعد الشغل يجتمع مع أصدقاء له بمقهى عصري، يصلي فريضة العشاء بالمسجد قبل الرجوع الى المنزل. الى هذا المثل، يمكن إضافة ثقافة الأفراح والمعاملات وغيرها من العادات والتقاليد. المهم مهما بلغ تخضرم المجتمع المغربي فالثقافة المهيمنة، وهذا واضح للعيان وعلى مختلف واجهات الحياة، هي الثفافة التقليدية ونظام الحكم العتيق المجسد في المخزن.

لقد كانت هناك بوادر فعلية للتحديث، خاصة سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات للقرن الفائت، نظرا لتعميم الثورات التحررية وما واكبها من التحرر من الثقافة التقليدية والاستعمارية. الا أن هذه الفجوة ستعرف ردة كبيرة من نكسة كل المشاريع التحديثية في البلدان التابعة ومنها المغرب. فظهرت تنظيمات وجماعات تقليدانية لاهوتية، تزرع ثقافة غيبة والرجوع الى مجتمع هلامي تنسجه حسب مخيلة مرضية أساسها سجن العقل داخل ظلمات الجهل. ولقد وظف النظام المخزني الذي كان يعاني عزلة اجتماعية وسياسية أكيدة، خاصة بعد الانقلابات العسكرية التي اندلعت من صلب رحم دولته القمعية. هكذا سيتم استعمال الجماعات والتنظيمات الداعية بالرجوع الى مجتمع وهمي. والتي تلتقي في العمق مع الثقافة المخزنية. الهدف الرئيسي للنظام المخزني، بعد أن تمكن من إرساء دولته من جديد، محاربة كل ثقافة تنويرية. هكذا تمّ منع تدريس الفلسفة والأفكار اليسارية وقمعها بلا هوادة. كما عمل على ترويض الأحزاب الداعية للثقافة الاشتراكية وادماجها في إطار مؤسساته الصورية عبر “مسلسل ديمقراطي” يثبت ثقافة الاستبداد الثقافي.

نتج عن سيرورة تدجين قوى اليسار التقليدي تراجع مفعولها داخل المجتمع مع تقليص حجم طاقتها السياسية وتشرم مجموع التنظيمات اليسارية. حصيلة هذه الوضعية، تهميش المجتمع السياسي الناشئ ومعه البرلمان كمؤسسة ضامنة لتمثيل التوجهات السياسية داخل المجتمع المدني عبره يمكن التناوب على السلطة السياسية. لكن في حالة المغرب يمكن الاستنتاج أننا أما غياب مجتمع السياسي بمعنى الكلمة. حيث أصبح المجتمع برمته يدور في فلك الدولة المخزنية العتيقة. عتيقة بالمفهوم المثالي الذي حدد به هيجل الدول الأرستقراطية. التي هي حسب المفهوم المثالي للدولة، سلطة عامة فوق المجتمع تديره بقوة الهامية خارقة للعادة ومستمرة في الزمان والمكان. دول لا تستمد شرعيتها من الشعب أو أية عصبة معينة، بل تستمد شرعيتها من قوة هلامية خارجة عن أي إرادة غير ارادتها في الحكم والتسلط. نفس الأمر يمكن تطبيقه على مقومات الدولة المخزنية. فهي تخلق أحزابها السياسية وتطوع أو تهمش من خرج على ارادتها. لنشر ثقافتها تحتكر كل وسائل الاعلام السمعية البصرية والمخطوطة ولا تترك الا هامشا ضئيلا تستعمله مرحليا لتزيين واجهتها “الديمقراطية”. كما أن البرامج التعليمية والتكوينية والمؤسسات الدينية من مساجد ومعاهد وكذا الزوايا الطرقية وغيرها، تدور كلها في فلك الثقافة المخزنية المهيمنة.

هكذا نجد أنفسنا أما ظاهرة فريدة لنوع فريد للدولة المستبدة. فهي تجمع مع المستبد الشرقي والدولة الأستقراطية. تحتكر الروحي والمادي والمعني. الآليات السياسية للمجتمع السياسي القائم الذات عبر برلمان يشرّع ويحاسب كل من يتحمل المسؤولية. وهذا في أي مستوى من مستويات الحكم، ليس له في اطار الدولة، سوى الاسم همه الوحيد الاشتغال بالجوانب التي لا تؤثر على السلطة المخزنية. بل الغاية من وجوده بالضبط، أي البرلمان، هو تزكية سياسات الدولة المخزنية. الحكومة الناتجة عن الانتخابات التشريعية كتمثيلية ديمقراطية للمكونات الاجتماعية لا دور لها غير ما تمليه عليها حكومة الظل، المعبر الفعلي لاختيارات الدولة المخزنية.

أ ما العمل أمام الهيمنة المطلقة للدولة المخزنية

في غياب إمكانية المجتمع السياسي لعب الدور المنوط به كمعبر عن الاتجاهات السياسية الناتجة عن الصراع المجتمعي نظرا لهيمنة الدولة المخزنية على كل مرافئ الحياة، لم يبق من هامش يمكن للقوى اليسارية الانتعاش فيه سوى المجتمع المدني. لأنه من غير الممكن تدجين كل مكونات المجتمع المدني المتفاعل والمتطور على الدوام، سواء عبر حركات مطلبية أو انتفاضات أو بؤر تنويرية، فرق فنية، مسرحية ثقافية، رياضية…الخ. حتى في باب حقوق الانسان كمرآة لدمقرطة الدولة، نجد الدولة المخزنية تخلق أو تروض جمعياتها “الحقوقية” لتشوه مطالب حقوق الانسان عبرها الجمعيات المتشبثة والمدافعة حقا على الحريات الفردية و الجماعية. ثم وهذا هو الأهم كون النقابات والجمعيات المناضلة يتجاوز نضالها الحيز الضيف لأهدافها الخاصة، لتربطها في نضالها بالمطالب السياسية. هذا الدور السياسي للجمعيات الحقوقية والنقابية والثقافية بوسعه فتح المجال لانبعاث يسار قوي يعبر عن المطامح والمطالب الفعلية للطبقات الشعبية. ومنه فرض ميزان قوى حقيقي يقوم مقام الثورة البرجوازية. أي بناء دولة برلمانية بالمعنى الذي يكون فيه البرلمان هو الحلقة المركزية لضمان استقلالية الدولة. حيث يكون فيه الدور في سنّ السياسات العامة وتطبيقها من اختصاص الحكومة تحت مراقبة البرلمان. وأن استقلال القضاء يسمح بمحاسبة كل أفراد كيفما كان مستواه ومقامه في هرم الدولة والمجتمع.

ب – خلاصة باب الدولة والمجتمع السياسي والمجتمع المدني

– يلزم الوعي أن الدولة الديمقراطية البرلمانية، ليس معطى يبنى خارج الصراع الطبقي والمجتمعي. هذا الصراع الذي يفرز مجتمع مدني مستقل. كما أن الدولة الديمقراطية الحديثة تخلق مجتمعا سياسيا مستقلا عضويا عن جهاز الدولة. وهذا عبر انتخابات تمثيلية نزيهة ومعبرة. مما يسمح التناوب على السلطة بين الفرقاء السياسيّين. وجود مجتمع مدني مستقل ومجتمع سياسي فاعل، يشكلان عاملان أساسيان لاستمرارية الدولة بشكل سلمي. يلزم الإشارة أن الدولة الديمقراطية البرلمانية هي أساسا نتاج ثورة الشعب بقيادة الطبقة البرجوازية الأرستقراطية، وهي بذا متقدمة شكلا ومضمونا على الدولة الاستبدادية. اذا كانت الدولة التمثيلية البرجوازية تضمن حيزا مهما من الحقوق الفردية والجماعية يوفر جانب مهم من مطالب الطبقات الاجتماعية الأخرى، فلا نغفل هيمنتها الثقافية / الايديولوجية التي تمررها عبر المجتمع السياسي والمجتمع المدني. الدولة البرجوازية ليست خارج المجتمع المدني والمجتمع السياسي كما هو الأمر بالنسبة للدولة الاستبدادية. هناك نقطة أساسية يمكن الرجوع اليها والالمام بجوانبها في حلقة خاصة، والتي تتمثل في كون الطبقة البرجوازية، عبر هيمنتها الثقافية / الايدولوجية داخل المجتمع المدني والسياسي، قد تمكنت وضع وسائل الإنتاج ونمطه خارج حقلهما. حيث لم يعد هناك تحقيق المطالب العمالية عبر ثورات كما كان في القرن التاسع عشر، عند نشأة وتطور الطبقة العاملة. بل أصبحت المطالب العمالية في الدول الديمقراطية الحديثة قطاعية يتمّ تحقيقها عبر الإضرابات. ومهما بلغ مستوى هذه الإضرابات لا يصل حد القيام بالثورة لتغيير نمط الدولة.

– مقابل الدولة الديمقراطية البرلمانية، توجد هناك الدولة الاستبدادية التي تنفي دور المجتمع السياسي والمجتمع المدني. وهي بذا الحكم –بفتح الحاء-الوحيد. تقبض على كل مقاليد السلطة والمال والجال والحكم. الثقافة الوحيدة المسموح بها هي ثقافتها المبنية على المقدسات. سواء تقديس الأفراد كما هو شأن المستبد الشرقي. أو عبر إيديولوجية غيبية لاهوتية كما هو حال دول الأقليات الاقطاعية.

– لتجاوز الهيمنة المطلقة للثقافة المخزنية وكل مخلفاتها، من تدجين العمل السياسي واحكام القبضة القمعة على كافة المستويات، لم يعد أمام القوى التنويرية والتي تطالب بالتغيير لإثبات أسس الديمقراطية البرلمانية الحقة، غير العمل داخل المجتمع المدني لتحريره من عقلية الإحباط وجهل الثقافة المخزنية التي تسقى الاستبداد. ان المعركة بين الثقافة التنويرية الحديثة والتقليدية المهيمنة يمر لا محالة بثورة ثقافية. من يقول بثورة ثقافية يقول بتحصين المجتمع المدني -قوى سياسية، نقابية، جمعوية-يسارية عبر نضال مطلبي موحد بعيدا عن التشنجات بعضها لبعض. وذلك بتجاور خلافاتها -التي هي ثانوية بالنسبة للصراع الأساسي ضد الهيمنة المخزنية-التي تهدر طاقاتها الحية. وهي وضعية يستغلها النظام المخزني لزرع سموم التفرقة. كما يلزم خلق فضاءات فكرية تنويرية تحترم عطاء الأفراد والجماعات. مما يعني خلق جو يسمح بدينامية التفاعل والتكامل لكل من ينتسب للفكر والفعل التنويري اليساري.

يتبع

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube