المكتبة

باكستان

عبد الله العلوي باحث

لعبت باكستان –أرض الأطهار كما يعني اسمها- دورا هاما في الهدنة بين طهران وواشنطن، وقد استعملت كل قواها للضغط وإقناع طهران بمهلة الـ 15 يوما التي يتعبها مفاوضات بإسلام آباد تكون العشر مقترحات التي وضعتها طهران أساس هذه المفاوضات، ومن الأسباب التي دفعت إسلام آباد إلى هذا كونها تربطها علاقة وثيقة بواشنطن، كما أن الحرب الأخيرة:28-02 إلى 08-03-2026 أدت إلى اتساع هذه الحرب لتشمل دول الخليج العربية التي يعمل فيها حوالي 5 ملايين باكستاني. وترتبط باكستان أيضا مع المملكة العربية السعودية بمعاهدة للدفاع المشترك، فضلا عن كون الجيش السعودي يتألف خاصة فرق المدرعات وأجهزة المخابرات من عناصر باكستانية. وقد لعبت المملكة العربية السعودية والجماهيرية الليبية/القذافي أدوارا جد هامة في امتلاك باكستان للسلاح النووي، إذ أن البلدين منحا إسلام آباد ملايير الدولارات لبناء ترسانة نووية وصلت الآن إلى 71 رأس نووي. فضلا عن منظومة صواريخ متوسطة وباليستية ، وباكستان مساحتها 882 ألف كلم2، ومواطنيها 230 مليون نسمة 98 % مسلمون، مما جعل القنبلة الباكستانية تنعث بـالقنبلة الإسلامية، وقد حاول عبد القدير خان – توفي سنة 2021- أن القنبلة الباكستانية توسيع دائرة المستفيدين من نووية باكستان في العالم العربي –العراق وليبيا خاصة- لكن انتهى الأمر إلى ماهو معروف، وكان الهدف من ذلك عدم بقاء باكستان وحيدة في مواجهة التحالف الهندوسي –الصهيوني- الأمريكي، لذلك فإن أي تخلي لإيران عن برنامجها النووي هو بمثابة انتحار، ولنا في تجربة العراق وليبيا أسوة، فبمجرد أن يتفق على ذلك ستنتهي إيران ونظامها وتصبح مثل دول المُوز أو دولة فاشلة كليبيا والعراق. الانــفــصال والاسـتــقـلال في 1947 أعلن استقلال الهند عن الاستعمار البريطاني، وبالتزامن أعلن أيضا استقلال أو انفصال باكستان عن بريطانيا و الهند، و بالتالي ثم إنشاء دولتين في شبه القارة الهندية، دولة علمانية في الهند في 1950 ، تسكنها أغلبية هندوسية 80%، و دولة جديدة تجمع المسلمين في غرب و شرق الهند التاريخية، أعلنت أن دينها الإسلام و يشكل المسلمون 97% من سكانها. و تحرك فور الإعلان عن ذلك في ليلة 15/8/1948 ملايين النازحين من عقائد مختلفة. فانتقلت الملايين من الهند إلى الدولة الجديدة خاصة في الغرب – باكستان- وانطلقت الملايين في الاتجاه المعاكس نحو الدولة التاريخية. قامت مذابح وحروب مسلحة بين الجانبين راح ضحيتها مئات الآلاف، و قد يتجاوز الرقم الثلاثة ملايين و إن كان الرقم الحقيقي غير دقيق، فالآلاف لم يتعرف عليهم وعلى جنسيتهم و دفنوا أو أحرقوا جماعات. كانت أغلب مناطق الهند من البنغال حتى البنجاب في مساحة تتجاوز الأربعة ملايين كلم مربع، تعيش نفس الصراعات رغم التدخلات من قادة الجانبين خاصة غاندي، الذي راح ضحية هذه التدخلات. استمرت المذابح عامين والهجرة والهجرة المضادة أيضا، إلا أن عائلة مسلمة صغيرة في مدينة بهوبال في وسط الهند، لم تهاجر إلا بعد مرور خمس سنوات من الاستقلال، وبعد ترسيم حدود الدولة الجديدة وإعلان علمانية الهند و دستورها في 1950. هذه العائلة التي سيكون لأحد أبنائها شأن كبير، إنها عائلة عبد القادر خان التي لم تهاجر إلى الدولة الجديدة و بالضبط إلى مدينة كراتشي معقل السند إلا في 1952، وكان الشاب عبد القادر أو عبد القدير كما يكتب بالأردو في سن 21 سنة، وكان ينتظره مستقبل لامع في الهندسة المعدنية التي تخصص فيها، و في أواخر الستينات و مطلع السبعينات كان أحد ألمع العلماء في المعهد الفيزيائي في أمستردام بهولندا، وكان كل شيء مهيأ له لإقامة مريحة في هولندا. هاجر العالم الشاب من الهند مع عائلته التي كان عميدها الوالد ذا خلفية ثقافية إسلامية عميقة، والذي تردد كثيرا قبل أن يتخذ قرار الهجرة نحو الدولة الإسلامية الجديدة. فقد عاش المسلمون في الهند في إطار نزاعين فكريين قاد أحدهما، سياسيا أبو الأعلى المودودي -توفي عام 1979- زعيم و منشئ الجماعة الإسلامية، وهو أيضا من جنوب الهند و قاد الآخر الأستاذ أحمد أبو الكلام وزير التعليم الهندي، و هو أحد فقهاء الهند الكبار – توفي عام 1958- و كان يكافح لإنشاء دولة واحدة هي الهند، و قد دعم هذا الرأي علماء كبار على رأسهم تلاميذ مدرسة السردار خان. إلا أن جناح الانفصال هو الذي انتصر، و ذلك ما يفسر أن عائلة أبي القنبلة النووية الإسلامية لم تهاجر إلا بعد خمس سنوات و في ظروف هادئة. كانت عائلة عبد القادر خان عائلة متوسطة وفرت للابن ذي الخلفية العلمية جوا علميا و بعثته إلى الخارج، حيث أتم تعليمه و صار باحثا لامعا في هولندا، وحتى أواخر الستينات و بداية الأزمة البنغالية، كانت باكستان تتشكل من جزأين منفصلين بينهما 1500 كلم هي أراضي الهند. نظرا لأنها تألفت على أساس تجميع المسلمين في أماكن أغلبيتهم في الهند في 1947، وقد شكلوا أغلبية في الغرب باكستان حاليا وفي البنغال شرق الهند. وعندما قسمت البنغال وهي ولاية صغيرة في الهند كثيفة السكان إلى درجة رهيبة، فإن باكستان الشرقية كما سمي الجزء الشرقي من البنغال ناءت بسكانها في مساحة صغيرة ضيقة جدا لا موطئ فيها لقدم، ومع مآسي الفيضانات و المجاعات و النعرة القومية التي قادها مجيب الرحمان، زعيم حزب الشعب البنغالي و القيـادة السيئـة للحكام العسـكريـين في باكستان الغربية، فقد اندلعت حرب أهلية تدخلت فيها الهند لصالح البنغاليين، و أعلنت دولة بنغلاديش الشعبية. و بالتالي صار الرقم 3 دول في شبه القارة الهندية في عام 1971، بعد أن كان قبل 1947 دولة واحدة و بعدها دولتين. كانت هزيمة وطنية لباكستان و لم تمر إلا سنوات 3، حتى جربت الهند قنبلتها الذرية في منطقة بوكرام الصحراوية في 1974، واهتز الوجدان الباكستاني بعنف ورغم أن أنديرا غاندي «اغتيلت في 1984» أعلنت أن القنبلة الدرية الهندية ليست ضد باكستان، و هي تقصد أنها ضد الصين التي حاربت الهند في 1958/1962، واستولت على 35 ألف ميل من الأراضي الهندية، بدعوى كون الهند البريطانية استولت عليها في العهد الاستعماري. إلا أن علي ذو الفقار بوتو «أعدم في 1979» قائد باكستان أعلن قولته الشهيرة باكستان ستأكل الأعشاب لامتلاك القنبلة، وكان الأمر كذلك. كـل عــشـــر ســـنـــوات بدأ البرنامج النووي بتجميع العلماء الباكستانيين في مختلف أنحاء العالم وتحميسهم وطنيا، مع العلم أن القدرات الفيزيائية للباكستانيين معروفة -مثل الهنود- إذ أن احدهم فاز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 1979 هو العالم عبد السلام، وقامت باكستان بإنشاء أكثر من سبعين شركة في مختلف أنحاء العالم، كان دورها جلب المواد الخام و الأجهزة، و كان لا بد لحياة عبد القادر خان أن تتغير، فسرعان ما غادر في سرية تامة أمستردام و لم يعرف أنه في باكستان إلا بعد سنوات طويلة. ورغم أن هولندا وبتحريض أجنبي حاولت استصدار قرار قضائي بإدانة خان باعتباره سرق أسرار وطنية، وقضت المحكمة الابتدائية بسجن خان أربع سنوات، إلا أن هذا الحكم سيلغى فيما بعد استئنافيا، بعد أن أثار أزمة دبلوماسية عنيفة بين باكستان وهولندا، لأنه كان حكما سياسيا ليس إلا. وفي ماي 1998 قامت الهند بتجربتين نوويتين جديدتين، بعد ذلك ورغم الضغوط الهائلة قامت باكستان بإجراء خمس تجارب نووية، وفيما بعد صرح عبد القادر خان أن باكستان كانت تملك القدرة على القيام بالتجربة منذ 1984ـ أي بعد عشر سنوات من تجربة الهند الأولى في 1974، والتي جاءت بدورها بعد عشر سنوات من تجربة التفجير النووي الصيني في 1964. و كانت الفرصة سانحة لباكستان لإعلان نفسها دولة نووية، و هو القرار السياسي الذي اتخذه نواز الشريف رئيس الوزراء الباكستاني، الذي سيغادر السلطة بعد عام فقط بانقلاب قاده برويز مشرف. تـــوازن الـــرعــــب إن من أهم المكتسبات الوطنية للحفاظ على الاستقلال الاقتصادي و الاجتماعي في عالمنا اكتساب القوة المسلحة، و هو أمر فهمه الغرب جيدا، لا على أساس الحرص على الاستقلال بل استغلال و احتلال البلدان الأخرى. لذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في صناعة الجيل الثاني من القنابل النووية خلال عام 2003، كما أن الرئيس الفرنسي أكد أن القوة النووية الفرنسية يجب أن تتقوى للدفاع عن استقلال و قوة البلاد، إلا أن الغرب بكامله يرفض امتلاك المسلمين هذه القوة نهائيا، رغم أن امتلاك الكيان الصهيوني للقوة النووية يحظى بعطف الغرب و بمساعدته الكاملة. بل إن التعاون بين الكيان الصهيوني و نظام الأبارتايد السابق في جنوب إفريقيا، و التجربة النووية التي أجراها الكيان الصهيوني في جنوب إفريقيا في مطلع الثمانينات، هي التي أدت بالغرب إلى التعجيل بتدمير نظام الأبارتايد و فك البرنامج النووي الجنوب إفريقي، مخافة السقوط في يد حكومة وطنية للأغلبية الإفريقية. فقد تم تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية و أسندت رئاستها إلى شخص مصري حاليا و هو المضحك المبكي، و قد وضعت برنامجا قاسيا ضد جميع دول العالم باستثناء الغرب و الكيان الصهيوني، لمنع امتلاك الدول العربية و الإسلامية للسلاح النووي. و هكذا تم إلزام مصر بتفكيك برنامجها النووي و تحويل علمائها إلى الشارع، رغم التهديد المستقبلي لها من طرف الكيان الصهيوني و الغرب، و مخاطر جريان النيل شريان الحياة لمصر و السودان، كما أعلنت ليبيا رغم بساطة البرنامج ما لديها، و يجري تهديد إيران، و مغازلة كوريا الشمالية و إغراؤها بالملايير، و من المضحك أيضا أنه يجري إقناع بعض الدول العربية بالمشاركة في تمويل و تحويل البرنامج النووي الكوري الشمالي، إلى برنامج سلمي و ذلك بأداء ملايير الدولارات. ….. إن امتلاك الصاروخ و القنبلة النووية في عالمنا المعاصر هو امتلاك شروط الحياة و البقاء في ظل متغيرات دولية قاسية، لا تعير للاتفاقات الدولية أو الأخلاق الإنسانية أي اعتبار، و لا تفهم إلا لغة السلاح و القوة، و إن ما جرى للقرارات الدولية ضد الكيان الصهيوني، و عددها 500 قرار دولي لم ينفذ منها و لا واحد، أكبر دليل على ذلك بعكس العراق الذي دمر بدون قرار دولي و كذا أفغانستان. و الدول العربية التي وقعت على معاهدة عدم انتشار السلاح النووي دون أن تربط ذلك بإزالته من العالم ككل، كما دعا جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق، بل و حتى دون ربطه بالسلاح النووي الصهيوني، تكون قد ارتكبت خطأ تاريخيا في حق الأمة و شعوبها، ذلك أن الأمر لا يتعلق بالمحافظة على النظام الحاكم، أو جعل الابن رئيسا بل الأمر يتعلق بمستقبل الشعوب وخطورة بقائها رهن الأعداء التاريخيين و الصليبيين للأمة، و قد رأينا في كل مراحل التاريخ أن الاتفاقات الدولية لا قيمة لها ، بل إن المنظمات الدولية تصبح مجرد مبصمة على قرارات الأقوى. و ما قامت به الأمم المتحدة ضد أفغانستان و العراق من مشاركة في العدوان لا زال شاهدا، و إن أي اتفاق دولي ما لم يعزز بالقوة المسلحة و بتوازن الرعب لا قيمة له، و إلا فما السبب الذي يجعل الغرب يحتفظ و يحرص على تطوير أسلحته المرعبة بينما يرغم باقي الشعوب على عدم امتلاك أسباب البقاء؟ إن السلاح النووي قد لا يستعمل لكنه ضروري حتى لا يستعمله الآخر ضدك، بل حتى لا يستعمل أي سلاح ضدك أو يحتل وطنك. و الأمة العربية و الإسلامية تواجه أعداء في كل مكان أعداء محتلين، و أعداء العقيدة، و أعداء المياه، و أعداء البترول، و امتلاك شروط الحياة و البقاء و النماء يرتبط بالتقدم الاقتصادي و الاجتماعي أيضا و بالتوازن، والتوازن لا يكون بإعطاء كل شيء مقابل لا شيء، فالحرص على بقاء الأنظمة لا يعادل أبدا الحرص على حياة الشعوب و أمنها المستقبلي. *باحث مـــلاحــــظــات: 1- بالإضافة إلى الصراع حول كشمير يعتقد الباكستانيون ان هدف الهند و معها واشنطن القضاء النهائي على باكستان و دمجها في الهند مرة أخرى. 2- الاتفاقات العسكرية بين الهند و الكيان الصهيوني في ظل حكومة حزب الشعب الهندوسي تتناسل وتهم برامج الصواريخ و التعاون العسكري ، خاصة لمواجهة باكستان و الدول العربية. 3- أعلن أمير قطر السابق في أحد تصريحاته الغاضبة القليلة أن واشنطن طلبت من دول الخليج تمويل كوريا الشمالية فيما يتعلق بتحويل برنامجها النووي إلى برنامج سلمي. 4- قاد البرنامج النووي و الصاروخي للهند، رئيس جمهورية الهند السابق أبو الكلام ، و الذي قام بزيارتين إلى الكيان الصهيوني أثناء رئاسته للبرنامج النووي الهندي. وهو ينتمي إلى الطائفة الإسلامية التي يبلغ عددها حوالي 250 مليون نسمة من مليار نسمة هم مواطنو الهند. 5- الأردو«=الثكنة» هي لغة باكستان الوطنية و لغة المسلمين بالهند و تكتب بالأبجدية العربية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID