
ايضاحات ليستقيم الحوار حول مناصرة إيران
يستنتج المتتبع لما سبق من الحوار أن ما تمّت الإشارة اليه، أفكار تتفاعل فيما بينها خارج النمط الذي يحدد الخلاصات بشكل مسبق. ثمّ يطرح قوالب جاهزة على منوال خطط الطريق التي أصبحت وسيلة لتمرير ما هبّ ودب. المنهج المتبع في هذا الحوار يبلور الأفكار التي يتناولها بشكل مجرد مبني على دلات وحجج موضوعية. حيث الأفكار تتفاعل حسب جدلية حلزونية في مدّ وجزر تصاعدي لولبي. لذي فهو طرح عقلي بعيدا كل البعد عن الطرح الأيديولوجي أو العقائدي. هذا المنحى في البحث والتعبير، يجعل صاحبه ينتمي للإنسانية جمعاء بالأساس. غايته السلم بين البشر ليسود الاخاء والتعاضد والتعاون والحرية والعيش الكريم للجميع. لكن الإنسانية التي ندافع عنها بإيمان صادق تخترقها منظورات وعقائد لكل منها مصالحه الخاصة يريد فرضها بالوسائل المتاحة وغالبا بالوسائل الغير المتاحة، كاستعمال القوة العسكرية المدمرة للبشر والمخربة للمنشآت. ما دام الهدف النبيل هو خدمة الإنسانية ليسود السلم والعدل بين الناس أجمعين، أنجع طريقة للبحث والتفكير هي الانطلاق من الواقع الثقافي والحضاري للشعوب وتحصين الجوانب النيّرة فيه كعتاد واقي من الاستلاب والتبعية. وكمساهمة في تحرير باقي الشعوب التي تعيش التهميش والتخلف والاستعمار والتبعية. الأهداف السياسية الناتجة عن الخطاب الإيديولوجي والعقائدي، هو خطاب تبريري بالأساس على منوال المثل الشعبي “ضربني وابكى وسبقني واشكى” كما تقوم به أمريكا والكيان الصهيوني في حروبهما ضد الشعوب. كما تمّت الإشارة اليه في ختام الباب السّابق كان مخصصا نقاش ل “دور الحضارة الفارسية في بناء وتطور الحضارة العربية الإسلامية”، التي تعدّ الاستمرار الجامع للحضارات الشرقية. لكن ظهرت هناك بعض الملاحظات الإنجابية التي أخدها بعين الاعتبار ليستقيم الحوار ومنه الإيضاحات التّالية: الايضاح الأول: تغيير العنوان الذي انطلق منه العرض والذي هو ” الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيّانٌ” بالعنوان الحالي ٌالشرق والغرب في الميزان”اعتماد مفهوم الميزان يعني الحكم بالقسطاس وإعطاء لكل ذي حق حقه، بلا تفضيل أو تحيّز. اظهار مزايا ومساوئ ونقصان كل طرف في الصراع القائم. هذا الطرح يسمح تجاوز النظرة الاستعمارية الاستعلائية التي انطلقت منها المواقف السيّاسية للغرب حيث جعلت تعارضا ثقافيا حضاريا بين الغرب والشرق وجعلت منهما خطّين لا يلتقيّان. فمقولة ” الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيّان”، ليست من طرحنا. لذا وضعناها دائما بين قوسين. الأمر الذي لم ينتبه له بعض القراء، فنسبوها لنا ونحن أبرياء مما يدّعون. فالمقولة كما أكدناه للكاتب الإنجليزي روديارد كبلينغ الذي نشأ وعاش في المستعمرة الهندية. وكمستَعمٍر عبر عن منظوره الملخص في مقولته الشهيرة نهاية القرن التاسع عشر. وما جاء ذكر المقولة الاّ لمعارضة الثقافة التي انطلق منها. كما أشرنا الى كتاب السيّاسي الامريكي صامويل هنتنجتون “صدام الحضارات” الذي أحدث ضجة ونقاشا واسعا نهاية القرن العشرين والذي كانت الغاية منه تبرير غزو العراق وأفغانستان وباقي الدول التي كانت تعارض الاحتلال الصهيوني الاستيطاني التوسعي. لقد تمّت الإشارة لكاتبين بينهما قرن من الزمن. موقفين يعبران عن النظرة الاستعمارية المهيمنة في العالم الغربي والتي تبر الحروب والاحتلال لبلدان الشرق الأوسط. انها نظرة ناتجة عن تصور عدائي ازدرائي استعلائي عنصري في كثير من جوانبه. باسم تفوقه الاقتصادي الصناعي التكنولوجي العسكري يسمح لنفسه هذا الاتجاه الاستعماري فرض تفوقه الثقافية الحضاري. وكدليل عن هذا التفوق الثقافي الحضاري يقدم هذا التوجه الرفاهية التي وصلت اليه الدول الغربية كنتاج لنظام الحكم الديمقراطي الذي يضمن حرية الفكر والتعبير والاعتقاد وكذا المساواة بين الرجل والمرأة والتضامن الاجتماعي ….كل هذه المقومات والمزايا التي يفتخر بها الغرب ويقدمها كعربون تفوقه الحضاري، لا ننكرها عليه بل هي مقومات ومزايا إنسانية نريدها لكافة البشر أينما تواجدوا. الا أن الحقيقة غير ما يتمّ ادعاؤه والترويج له لتبرير الاستعمار والاستيطان والتبعية. ثمّ أن هذه المزايا والمقومات الديمقراطية يحتفظ بها الغرب لوحده فقط، بينما حظ باقي الشعوب أينما وجدوا، المطلوب منهم الامتثال لسيطرته العسكرية والاقتصادية والسيّاسية. وهذا بمختلف الوسائل. الاحتلال المباشر أو غير المباشر عبر التبعية بمختلف مظاهرها بما فيها حروب الإبادة. فنحن لا ننفي وجود الفكر الحر الانساني داخل المعسكر الغربي. بل نثمّنه وندعمه كما يدعمنا أنصاره. وأن هذا الفكر المتحرر منذ قام وهو يشكل الحليف الأكبر والضروري للشعوب في وجه المتعصبين والعنصريّين الاستعماريّين في الغرب. لكن الحاصل هو أن هناك حرب إبادة لأشقّائنا الفلسطينيين، كما أن هناك حروب طاحنة خربت أقطار وشردت شعوب بالمنطقة العربية الإسلامية والواجب في هذه الحالة هو المقاومة من أجل الكرامة والحرية أو القبول بالخنوع والتبعيّة والاستلاب الثقافي. الايضاح الثاني: وشهد شاهد من أهلها، دانتي، سبينوزا ونيتشةكلما تقدم الحوار من المفيد طرح أمثلة تبيّن أن ما وصل اليه الغرب من عقل نيّر توجد عندنا التربة الخصبة التي منها انطلق. الفارق هو كون التربية الخصبة التي نشأ فيه العقل العربي الإسلامي النيّر أصابها النكوص على أيدي المتزمتين الذين زاغوا بالحضارة العربية الإسلامية الى مستنقع الفتن والتخلّف وتفتيت شعوبها.- التربة العقلانية في ثقافتنا وحضارتنا، تجسدت كفكر على أرض الواقع، خلال العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية التي انطلت كنظام للحكم مع هارون الرشيد ليسطع نورها الفكري الثقافي مع خلافة أبنائه الثلاث الأمين والمأمون والمعتصم. وأتذكر حوارا حصل بيني وبين محمد أركون، خلال ندوة حول الإسلام والعلمانية أقيمت بقصر الشيوخ بباريز حيث كنت محاضرا الى جانبه. ذلك أنه صرّح أنه على الشعوب العربية الإسلامية القيام هي الأخرى بعصر للأنوار. فكان جوابي، ان الحضارة العربية الإسلامية قامت بعصرها التنويري ألف عام قبل عصر الأنوار الغربي وذلك في عهد الأمين والمأمون والمعتصم. العصر الذي ساد فيه منظور العقل المعتزلي. حيث نوقشت فيه مختلف القضايا العقلية الفكرية والدينية بكل حرية. قال الشعراء ما شاءوا في الفخر والزهد والخمريات. وقال الفقهاء ما شاءوا من تفسير وتشريع وطور الفلاسفة الحكمة والأمور العقلية. فلا غرابة في ذلك الجو المفعم بالعطاء العقلي أن يجلد الامام أحمد بن أحمد لأنه لم يأتي بالحجج والدلائل المقنعة عند مجادلة المعتزلة في المقدس القرآني هل هو مخلوق أم منزل. كان هذا ألف سنة قبل أن يقوم مفكرو وفلاسفة عصر الأنوار الغربي بمعارضتهم الجريئة ضد السيطرة اللاهوتية للكنيسة على العقول. ما معناه أن معالجة المسائل العقلية ليست غريبة عن ثقافتنا وحضارتنا وما علينا سوى الرجوع الى الأصل الملخص في طرح رسائل اخوان الصفا أو كما جاء في رسالة الغفران لفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبو العلاء المعري كما سنرى أسفله.- دانتي وأبو العلاء المعريلقد أسيل حبر كثير بخصوص كتاب “الكوميديا الإلهية” وكتاب «رسالة الغفران” لأبي العلاء المعرّي. هل الكتاب الأول مأخوذ عن الثاني أم لا؟ معروف أن أمور الجنة والنار قد تحدثت عنها أساطير الثقافات القديمة، الا كون معالجتها من داخل تراث الديانة السماوية الإسلامية والمسيحية وما خلقته من جدل داخل كل منهما لم يكن مطروحا بالشكل الذي جاء به الكتابين. الفارق أن طرح أبي العلاء جاء في ظرف بدأت فيه شمس الفكر العقلي للحضارة العربية الإسلامية في الانحطاط، بينما عهد دانتي سجلّ انطلاقة النهضة الغربية بإيطاليا. حول نقاش الجنة والنار يعاد النظر في الخير والشر وتفسير العقيدة الدينية.- سبينوزا والفكر الصوفييعد الكثيرون سبينوزا من أكبر فلاسفة الغرب، ان لم يكن أكبرهم على وجع الاطلاق. ذلك أنه عارض الطقوس الدينة بشكل صارم ليربط الوجدانية الإلهية الأشياء الطبيعية. فلا ضرورة لوجود معابد وكهان أو من يقف بين الانسان والاله. الاّ أن مجمل الباحثين في الغرب يتجاهلون أن فكرة سبينوزا الثورية حول الوجود الإلهي، عولجت عالجها المتصوفة المسلمون قبله بقرون. وهذه لفكرة الأساسية في فكر سبينوزا عبر عنها الحلاج بمقولته الشهيرة ” أما رأيت شيئا الا ورأيت الله فيه”. والمصادفة أن الحلاج نكل به ألف سنة قبل سبينوزا، لأسباب سياسية راجعة الى ارتباطه بالثورة القرمطية، أكثر منها ناتجة عن أسباب دينية كون الصوفية مقبولة في الثقافة العربية الإسلامية بل انها الى جانب هذا محبذة. أما سبينوزا فانه طرد من الكنيسة اليهودية جراء مواقفه حول الاعتقاد الروحي. لا ننسى أن والد سبينوزا قبل هجرته لهولندا نهاية القرن السادس عشر الميلادي، كان يعيش مع أسرته اليهودية في أرض البرتغال المتأثرة أنداك بالثقافة العربية الإسلامية. ومنه تأثر ابنه سبينوزا بلا شك بالأفكار التي كانت لا زالت رائجة بالأندلس (اسبانيا والبرتغال) رغم نكبة 1492. – نيتشة والشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربيمواقف نيتشة المعادية للكنيسة والديانة المسيحية معروفة ومعمّمة. لكن الغير معروف والغير معمّم كون نيتشة وقف موقف إيجابي نحو بساطة الدين الإسلامي وخاصة فتوة الانسان والثقافة العربية الإسلامية. هكذا نراه يأخذ عن ابن عربي مفهومه بصدد الانسان الكامل الذي تكلم عنه في كتاباته العديدة. ذكرنا هذه النماذج من أمهات القضايا الفكرية التي أثر في التنوير العقلي للإنسانية والتي هي موجودة بكثرة في تراثنا الثقافي. ان التشدد والانغلاق الفكري الذي حصل والذي لازال أنصاره يقفون سدا في وجه التطور الفكري داخل المجتمعات العربية الاسلامية. الى جانب المتزمتين نجد الذين اكتشفوا فلسفة كانت العقلية والمادية الجدلية لم يتمكنوا احداث الطفرة الفكرية الضرورية. حرية الفكر والتعبير تمرّ لا محالة عبر تحرير العقل من كل التصوّرات الغيبيّة الجاهزة الناتجة عن الاستلاب الفكري والتزمت العقائدي والعصبية المتقوقعة وغيرها من العوامل التي تنشر الجهل والاستبداد وتفتح الباب واسعا للسيطرة على الموارد البشرية والطبيعية. التوضيح الثالث: أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيضمن منّا لم يفتتن بقصص كليلة ودمنة التي ترجمها ابن المقفع من الفارسية الى العربية والتي تحكي على لسان الحيوان معاملة البشر فيما بينهم. ومقولة “أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض” تحكي كيف فرّق الأسد بين الثيران الاخوة الثلاث ليفترسهم الواحد بعد الآخر وما كان ليتسنّى له ذلك لو بقوا مجتمعين أو على الأقلّ اثنين معا. ما حدث في الأندلس من صراع بين ملوك الطوائف وتحالف بعضهم مع العدوي الصَّليبي المشترك، سمح لهذا الأخير القضاء عليهم جميعا. ونفس الأمر يحدث اليوم للدول العربية الإسلامية. حيث عوض جمع شملهم بتجاوز خلافاتهم، التي هي أصلا شكلية وثانوية بالنسبة لعدوهم المشترك الممثل في أمريكا والكيّان الصهيوني، تجدهم منقسمون ومغلوبين على أمرهم. – أمريكا دعت تنظيمات عمّالية بالأرجنتين عام 1908 المناضل الأممي جون جوريس لإلقاء ندوات حول الصراع الطبقي والدولي. وكعادته أخد جون جوريس يحضّر بجد المواضع التي سيتطرق لها مع المناضلين العمال. ولمّا أخد يدرس الواقع الاقتصادي السياسي والعسكري للوليات المتحدة تبيّن له أن “هناك وحش رهيب لا يعرف سوى السطو باسم المال، ينمو بسرعة ودول أوروبا مشتّتة تتحارب فيما بينها”. كانت دول أوروبا أنداك تتصارع على المستعمرات بما فيها المغرب. فقام المناضل العمّالي منذ ذلك الحين يدعو للسلم ويناهض الحرب الى أن اغتيل أقل من شهر قبل قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914. هذا الوحش الأمريكي أصبح اليوم يشكل امبراطورية تسود العالم بالحديد والنار ولا ينجو من قبضته الا تجمعات الأمم والشعوب المحصنة هي الأخرى بالحديد والنار. أمّا التجمعات المشتتة والمتصارعة شعبوها فيما بينها، فهي مثل الثيران الثلاث بين مخالب وأنياب الأسد. وما يزيد الطين بلّة هو سيطرة الأخطبوط الصهيوني على اقتصاد وسياسة هذه الإمبراطورية العشواء.الكيّان الصهيونيخلافا لدول المنطقة العربية الإسلامية حيث عاش اليهود فيها كأهل الكتاب لا يُهتَكون في عرضهم ودينهم ومالهم، فان الدول الغربية عادتهم طوال وجودهم بها ولم تعترف لهم بعضها بالحق كمواطنين الا بعد قيام الثورة الفرنسية عام 1789. ولقد ظلّوا يعانون الاقصاء والعنصرية في غالبية الدول الأوروبية الى حين انهزام ألمانيا النّازية والاطلاع على المحرقة. استغلت العصابات الصهيونية التي كان تحرض وتنظم الهجرة الى أرض فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر، الوضعيّة التي خلقتها الحرب العالمية الثانية لتقوم بتواطؤ بريطانيا، القوة العظمى أنداك، والتي كانت تستعمر فلسطين، بعمليّات ضد المواطنين الفلسطينيين أصحاب البلد. بعد حرب غير متكافئة خاضها الفلسطينيّون بمساعدة بعض الجيوش العربية الغير المجهزة والمدربة ضدّ العصابات الإرهابية الصهيونية المدججة بأحدث الأسلحة ومساعدة الدول الغربية المسيطرة أنداك، بريطانيا وفرنسا. هكذا حصل عام 1948 تقسيم فلسطين. لكن الكيان الصهيون الذي كان يدعي العلمانية، غيّر الخطة الاستيطانية ليرفع شعار إسرائيل الكبرى الوهمية، التي لا حدود ثابتة لها ومنه منذ قيامها على أرض فلسطين وهو تخوض حروب تدميرية وتوسعية لا نهاية لها.خطة الكيان الصهيوني هو محاربة قيام أيّة دولة قوية أو تجمع موحد لدول منطقة الشرق الأوسط. هذا كخطوة أولى لتركعيها وابادة واجلاء الفلسطينيّين من أرضهم. ثم بعد مناطق مناطق أوسع في أسيا وافريقيا. لوصول أهدافه التخريبية التوسعيّة تمكّنت الصهيونيّة العالمية السيطرة على اقتصاد وسياسة الدول الغربية وخاصة أمريكا التي أصبحت بعد سقوط المعسكر السوفيتي تسيطر على العالم بذون منازع. هكذا، بعد القضاء على الدول العربية ذات النزعة القومية في العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن فحرب الإبادة للشعب الفلسطيني في غزّة، بالموازاة مع زرع العداوة بين الاخوة الشيعة والسنّة، ها هو تحالف السلو والخراب الأمريكي الصهيوني يقوم بحرب شاملة حاقدة ومدمرّة للشعبين الإيراني واللبناني. وبطبيعة الحال ونظرا لعنجهية الثاني الأمريكي الصهيوني الغاشم، بعد حربه القدرة ضد المقاومة الشيعية سيأتي دور الجبهة السُّنٍّية وأية مقاومة تعارض السيطرة الأمريكية والتوسع الاستيطاني العنصري للصهيونية.



