“الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيّان”

محمد المباركي
الباب الأول
النصر حليف الشعب الإيراني الشقيق
تقديم
لم يكن شعار “النصر حليف الشعب الإيراني الشقيق” ناتج عن تعبير اغتباطي أو جنوح وشعور عابر أو تعبير حماسي لمخزون لغوي موروث عن معلقة عمر بن كلثوم ” أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليَقينا …”
. ان اختيار عنوان الباب بعيدا كل البعد عن هذا وذاك، انّه نتاج تفكير عقلي عميق حول نشوء واندحار الأمم والحضارات. كيف تنشأ وكيف تضمحل. لماذا تصمد بعضها أمام مراحيل التاريخ ولماذا تغيب شمس بعضها بزوال سيطرتها؟ ما هي طبائع بعضها ونوعية تعايشها مع غيرها من الأمم والشعوب. ما هي الأسباب التي جعلت “روديارد كبليغ” يقول قولته الشهيرة ” الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيان”. قال هذا في القرن التاسع عشر ونجد قرنا بعده المستشرق الإنجليزي-الأمريكي ” كارل لويس” ينظر لصراع الثقافات والحضارات. والتي لخصها في زيّها السيّاسي الاستعماري الأمريكي” صامويل هنتنجتون” في كتابه الشهير” صدام الحضارات” 1996. لذا لا يمكن الالمام بالجوانب الأساسية لما يحدث في العالم وبوجه الخصوص على الساحة العربية الإسلامية، ما لم نأخذ بعين الاعتبار ركائز الثقافة الشرقية (العالم العربي-الإسلامي) والغربية (أوروبا الغربية-أمريكا الشمالية وخاصة الوليات المتحدة). التصنيف المطروح كتعارض بين الشرق والغرب، ليس نتاج ثقافتنا وعقليتنا الشرقية، بل هو من نسج العقلية الغربية التي دشنها مُستشرقيها ومنظريها أوج المرحلة الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر ولا زالت تتطور بشكل أبشع ليومنا هذا. أمّا استعمال مفهوم الثقافة الشرقية والحضارة الشرقية مقابل الثقافة الغربية والحضارة الغربية، هي تعريفات متداولة منذ العهود القديمة، للتعبير عن الفوارق الموجودة في الطبائع ونظم الحياة الاجتماعية الحاصلة بين الشرق والغرب. وكلمتا الشرق لا يعني أن هناك خط جغرافي فاصل بين الشرق والغرب كما هو حال البرزخ الفاصل بين بحرين، بل هو فرق في الطبائع والتفكير وأسلوب العيش والتعايش. المغرب مثلا هو غرب اليونان وإيطاليا ومعظم بلدان أوروبا، لكن أصول وفروع ثقافته تصنّفه مع العالم الشرقي. وبشكل عام نصنف العالم العربي الإسلامي بالشرقي وبالغربي محيط أوروبا وشمال أمريكا وخاصة الوليات الأمريكية وكندا.
ا – موقع إيران المتميّز في الموروث الثقافي-الحضاري الشرقي
ان الصراع المفتعل بين السنة والشيعة من أجل السلطة داخل نظم الحكم لكل منها، كان سبب ويلات وانتكاسات وفتن أضرّت بشكل فادح بشعوب وأمم المنطقة العربية الإسلامية. ممّا جعلتها فريسة سهلة وضحية مستباحة بين مخالب الاحتلال والاستعمار المباشر أو التبعي للقوى الغربية المتسلّطة، وهذا في أبشع مظاهره وتجلّياته. قبل التطرق لظاهرة الاستلاب والاستغلال والتبعية الذي تعاني منه الشعوب العربيّة الاسلاميّة، وجب النظر الى الموقع المتميّز الذي تحتلّه إيران في موروثها الثقافي الحضاري العام.نظرة وجيزة للمسار التاريخي للشعب الايراني والذي يجَسّدُ الاستمرارية الثقافية والحضارية لبلاد فارس التي تضرب جدورها في عمق التاريخ البشري. لحد أمكن القول إنها انطلقت مع أولى الحضارات التي عرفها الاجتماع البشري لمّا حصل الاستقرار مع اكتشاف الفلاحة والتجارة ومعهما بناء المدن وقيام نظم اجتماعية وسيّاسيّة لضبط التجمعات البشرية كانطلاقة لتشييد الدول والأمم. حصل هذا في العصر الحجري الحديث او النيوليتي، الذي بدأ ببلاد الرافدين ما بين 10.000-9.000 سنة قبل الميلاد وعندنا بالمغرب ما بين 5.000 – 4.000 سنة قبل الميلاد. الاستقرار والتمدن بدأ بالمناطق الجافة والتي بها أحواض مائية خصبة مثل الأراضي ما بين نهريّ الفرات ودجلة وحول نهر النيل، قبل أن يعمّ المناطق الغابية والرعوية المؤهلة للصيد والقطف وتربية الماشية مثل ما كانت عليه منطقة المغرب الكبير. بلاد فارس التي تحتل أغلب التراب الإيراني، كان مركزها الحضاري الى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد منطقة ما بين أرض الرافدين. فهي بذا نتاج الحضارة الأكادية والأشورية والبابلية. وبالتمازج نتاج الحضارة السريانية الكنعانية الفينيقية والمصرية القديمة والهَيْتين ساكنة بلاد التركمان والأكراد القدماء والأمازيغ بناة حضارة قرطاجة العظيمة. كل هاته الأقوام اندمجت فيما بينها عبر تاريخها الطويل المجيد، تحاربت على السلطة، لكن لم يستعبد بعضها البعض وخاصة لم يقم بعضها اتجاه الآخر بالإبادة الجماعية مثل ما قام به الأمريكان اتجاه الهنود السكان الأصلّيّين للبلاد أو ما فعله الاوروبيّون بإفريقيا (بناميبيا والكونغو الديمقراطية) أو كما نظرت له النّازية، كون العرق الآري يسمو كل الأقوام. أو ما يقوم به الكيّان الصهيوني من إبادة اتجاه الأشقّاء بفلسطين المحتلّة. كما ان الحضارة الشرقية لم تعرف تعميم الاستعباد أو التفريق العنصري على شاكلة الأبرتيد كما حصل في افريقيا الاستوائية والوليات المتحدة الأمريكية اتجاه السكان من أصل افريقي. أو كما يقوم به الصهاينة منذ النكبة اتجاه الأشقّاء الفلسطينيّين. ان الثقافة الإيرانية تشكل احدى مكونات الحضارة العربية الاسلاميّة، بل احدى ركائزها الأساسية المشرقة. نظرة وجيزة للتراث العربي الإسلامي نبرهن أن معظم الفلاسفة والحكماء والعلماء المؤسسين له، هم من بلاد فارس وخرسان. لحد أمكن القول إن بلاد إيران كانت منارة مضيئة الأنوار في تراث الحضاري العربي الاسلامي. الحديث عن التراث لا يعني حسرة فيما قيل ويقال وخَطَّ ويُخط، بل التكوين العقلي والتشكُّل المزاجي والعاطفي وكل ما يؤثر على الطبائع والتصرفات الدهنية الشعورية واللاشعورية، أي كل ما يجعل المنتسبين لهذا التراث ما هم عليه. كيف يحبون يعطفون يعبرون باطنيّا وظاهريا. كيف يتصرفون ويتعاملو أي كل ما يحرك المشاعر ويشكل كينونتهم كبشر لهم طبائع وعادات جماعية تميّزهم عن غيرهم. هذا الموروث الحي في الجوارح والضمائر، شأُوا أم أبُوا، هو الكنز الثمين الذي يستعصي على المتربصين بهم كشعوب لها كيانها وطابعها الحصين الوصول الي اجتثاثهم واستيلابهم أو تطويعهم. هذا الموروث الثقافي والحضاري للشعوب الشرقية هو الذي رغم ما وصلت اليه من ازدراء واحتلال، لا زالت ناره مشتعلة تحت رماد التدهور الثقافي والاجتماعي الذي عرفوه منذ أمد ليس بالقصير. هذه النار تزيد صلابة ومراسا ومقاومة كلما انقض العدوّ على شعب من شعوبها. كأن هذا الاعتداء يشكّل ريحا عاتيّة تضرم نار الصمود والمقاومة.
اا – الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيّان كما أشرنا اليه أعلاه، قولة كبلين الإنجليزي
“الشرق شرق والغرب غرب لا يلتقيّان”
تحوي في جوهرها نظرة الغرب للثقافة الشرقية ومنه للإنسان الشرقي. فهي نظرة ازدراء وهوان، بمعنى أن الغرب المتحضّر ما احتلّ واستعمر واستغل ونهب، الاّ وهو يستحق ذلك. وكل ما ينهبه هو ثمن مساهمته في تحديث عقليّة الشعوب الشرقيّة وإخراجها من الانحطاط والوحشيّة البدائية. فالإنسان الشرقي والعربي على وجه الخصوص، بالنسبة لمنظري سيادة الغرب وخاصة العنصريّين منهم، كما هو الحال اليوم كالأمس، انسان غير متحضر مزاجي عصبي متهور ينفعل لأبسط الأشياء، لا يعرف سوى الفوضى والتآمر. استغلاله واستلابه سهل عبر زرع سموم التفرقة. ومنه سياسية فرق تسد التي اتبعها الغرب اتجاه الأنظمة الشرقية منذ أمد بعيد ولا زال ينهجها ليومنها هذا. وما النزاعات التي عرفتها وتعرفها، للأسف الشديد الساحة العربية الاسلاميّة بين الأشقاء، الاّ الدليل المؤسف والمؤلم لهذا الوضع المزي والذي يفرض نهضة ثقافية أكيدة لتجاوزه.عُقْدَةُ عُقَد الغرب والتي تشكل الخطيئة الأَصْليَّة بالنسبة اليه، كَوْنْ لا يُمْكنه محو تاريخ الإنسانية. هذا التاريخ الانساني الذي يثبت، رغم كل أحابيله واستنساخاته وتحويراته، أن أمّ الحضارات هي الحضارة العربية الإسلامية وأن أزكى وأنبل الثقافات الإنسانية هي الثقافة العربية الاسلامية وأنه لمّا تجمع شعوبها وأممُها الشمل وتستيقظ من غفوة سباتها الحضاري ستلق بركب التجمعات السائدة لتسود كما كانت في سالف الحقب. ان الغرب يعي ذلك ولذا يعمل كل جهده لتمزيق العروة الوثقى التي تربط تاريخيا وثقافيّا وحضاريّا الشعوب والأمم العربيّة الإسلامية. ولذا يجتهد بلا هوادة زرع سموم التفرقة والفتنة بينها. لتجاوز هذه الوضعية المزمنة لا بد من الاجتهاد والبحث عن مدخل للقيام بثورة ثقافية كدواء أكيد لتجاوز حالة التمزّق والتفرقة. في انتظار هاته الطفرة اللاّزمة والضرورية المفروض أمام الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والاجتياح العسكري التي تتعرض له الشعوب العربية في لبنان وليبيا والسودان واليمن وبشكل لم يعرف له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، ما يتعرض لع الشعب الإيراني من غزو عسكري. لذا ما على أحرار الأوطان العربية الإسلامية الاّ الصمود والمقاومة كَسَنَد بعضها لبعض وكمصير مشترك لها جميعا.زيادة على الرصيد الثقافي والحضاري لشعوب وأمم العالم العربي الإسلامي، موقعهم في وسط الكرة الأرضية الى جانب خيراتهم البشرية والطبيعية المتنوعة والمتكاملة، تجعل منهم القلب النابض للبشرية. فالموقع الذي يحتلّه العالم العربي الإسلامي الى جانب مؤهلاته الطبيعية والحضارية يجعل منه كما في الماضي المناوئ المباشر للغرب. ان امتلاك التكنولوجيا ليس بالأمر الصعب والمستحيل على الامكانات الدهنية للإنسان الشرقي وما وصلت اليه الصين في بضعة عقود هو دليل على ذلك. كما يمكن ذكر تجربة اليابان. وللإشارة فان الثورة الصناعية التي انطلقت عام 1870 باليابان، كانت الثورة التي قادها أحمد عرابي (1879-1882) بمصر ضد الاستعمار الأجنبي الفرنسي والإنجليزين كان هدفه قيام حكم وطني والقيام بنهضة ثقافية وصناعية على منوال اليابان. وعلى ضوء نفس التجربة التحديثية والصناعيّة اليابانية كانت غاية المتنورين بالمغرب بداية القرن الفائت، لولا تكالب القوى الاستعمارية الغربية. (راجع مجلة “لسان المغرب”).في الباب الثاني سنحاول التطرق الى تشبُّع الاغريق بالثقافة الشرقية عبر العلاقة التجارية والثقافية التي كانت قائمة منذ الألفية لما قبل الميلاد بينهم وبين الفينيقيّين والمصريّين ثمّ الفرس الذين احتلّوا اليونان من القرن السابع الى القرن الرابع قبل الميلاد. ان تأثير الحضارة الشرقية على الموروث الحضاري اليوناني ظاهر مند القدم. وهذا سواء ما خص الحكمة أم البيان العقلي الذي يحتمي خلفه الغرب لفرض هيمنته الثقافية على العالم أو باقي علوم الرياضيات والتنجيم والمعمار والتجارة.
يتبع


