حيمري البشير

ما دلالة انسحاب الكاتبة الهندية أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي؟

برلين : محمد نبيل

الجدل الحالي المرتبط بانسحاب أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته ال 76 ليس حدثًا معزولًا، بل يأتي ضمن تاريخ طويل من التداخل بين السينما والسياسة في أوروبا. فالقارة الأوروبية شكّلت، منذ منتصف القرن العشرين، أحد أهم الفضاءات التي تحوّلت فيها السينما إلى أداة للنقاش الفكري والاجتماعي والسياسي، سواء عبر الأفلام نفسها أو عبر المهرجانات والفضاءات الثقافية المحيطة بها.

الأحداث الأخيرة المرتبطة ببرليناله 2026 تعكس هذا الإرث، إذ انسحبت روي احتجاجًا على تصريحات تدعو إلى إبعاد السينما عن السياسة، بينما يرى منتقدو هذا الطرح أن الفن تاريخيًا كان محركًا للنقاش السياسي والتغيير الاجتماعي.

السينما الأوروبية والخطاب السياسي

أحد أهم المنعطفات التاريخية كان عام 1968، حين تداخلت السينما مباشرة مع الحركات الاجتماعية والعمالية والطلابية في أوروبا. في فرنسا، قاد مخرجون مثل جان لوك غودار احتجاجات أغلقت مهرجان كان تضامنًا مع الحركة الطلابية والعمالية، مؤكدين ضرورة أن تعكس السينما القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة. هذه المرحلة أسست لفكرة أن السينما ليست فقط وسيلة ترفيه، بل أيضًا مساحة نقد أيديولوجي وأداة لتفكيك السلطة ووسيلة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.

السينما وصناعة الرأي العام

تشير دراسات أكاديمية إلى أن السينما ليست مجرد انعكاس للواقع، بل تشارك في تشكيل الاتجاهات السياسية والاجتماعية، وتعمل كمنتج ثقافي قادر على التأثير في القيم والاتجاهات الجماهيرية. ومن هنا، أصبح الفيلم في أوروبا خطابًا سياسيًا ضمنيًا أو مباشرًا ووسيلة لنقد الأنظمة أو دعمها وأداة لبناء تصورات عن الهوية والمجتمع.

المهرجانات الأوروبية ساحات لصراع سياسي وثقافي

يُعرف مهرجان برلين تاريخيًا بكونه أحد أكثر المهرجانات ارتباطًا بالقضايا السياسية وحقوق الإنسان. وقد شهدت دورات سابقة تظاهرات سياسية ولافتات احتجاجية على السجادة الحمراء، ما يعكس تداخل الفن مع النقاشات الأيديولوجية والاجتماعية. وظهرت مهرجانات أوروبية صريحة في توجهها السياسي مثل مهرجان بيسارو في إيطاليا، الذي تأسس كبديل لمهرجان فينيسيا مع توجه نقدي وسياسي مختلف في اختيار الأفلام. كما ظهرت مهرجانات ذات أجندة فكرية صريحة، مثل مهرجان Subversive الذي يربط العروض السينمائية بالنقاشات الفلسفية والسياسية حول الديمقراطية واليسار الأوروبي.

السينما أداة تغيير سياسية

رغم الجدل حول قدرة السينما على التأثير المباشر في السياسة، تشير أمثلة عديدة إلى أن الأفلام يمكن أن تؤثر في التشريعات أو النقاش العام. تقارير حديثة تذكر أفلامًا ساهمت في تغيير قوانين أو سياسات عامة في دول مختلفة، عبر التأثير في الرأي العام والضغط السياسي غير المباشر، وهذا يدعم فكرة أن السينما لا تغيّر القرار السياسي مباشرة لكنها تغيّر المناخ الثقافي الذي يصنع القرار.

السينما السياسية في أوروبا المعاصرة

في السنوات الأخيرة، عادت السينما الأوروبية بقوة لموضوعات مثل: الديمقراطية وصعود الشعبوية، الهجرة والهوية، الرقابة الرقمية والذاكرة التاريخية. أمثلة حديثة تشير إلى أفلام تحذّر من تآكل الديمقراطية أو القمع السياسي، ما يدل على استمرار الدور النقدي للسينما الأوروبية تجاه السلطة.

جدل “استقلال الفن” مقابل “مسؤولية الفنان”

النقاش الحالي يتمحور حول سؤال فلسفي قديم: هل يجب أن تكون السينما مستقلة عن السياسة؟ أم أن الصمت في زمن الأزمات موقف سياسي بحد ذاته؟

التاريخ الأوروبي يقدّم نموذجين متوازيين: الفن كفضاء مستقل عن السياسة – تقليد جمالي وفلسفي. الفن كفعل مقاومة أو نقد اجتماعي – تقليد سياسي وثقافي.  والصراع بين النموذجين هو ما يفسر الجدل المتكرر في المهرجانات الأوروبية.

خلاصات أولية

يمكن تلخيص علاقة السينما بالسياسة في أوروبا في ثلاث مستويات مترابطة:

مستوى الخطاب: السينما كوسيلة لنقد السلطة وبناء السرديات السياسية.

مستوى المؤسسات: المهرجانات كمساحات للنقاش السياسي العالمي.

مستوى التأثير الاجتماعي: تشكيل الرأي العام بدل تغيير القرار السياسي مباشرة.

الجدل الحالي في برلين ليس استثناءً، بل استمرار لتاريخ أوروبي طويل يرى في السينما ساحة صراع فكري حول معنى الحرية، المسؤولية، ودور المثقف في المجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID