
بقلم: إدريس السدراوي
تمهيد: قضية رأي عام لا نزاعًا شخصيًالا يتعلق هذا النقاش بسجال إعلامي أو خلافات شخصية، بل بقضية رأي عام تمسّ جوهر دولة القانون. فحين يدخل شخص معروف بممارسات تشهيرية مثيرة للجدل إلى التراب الوطني قادمًا من الخارج، في ظل وجود عشرات الشكايات المودعة ضده، ويستمر الاشتباه في أفعاله دون أثر زجري ظاهر، فإن السؤال المركزي يصبح: لماذا لا يُفَعَّل القانون؟ هنا تحديدًا يتجسد مفهوم الإفلات من العقاب.الإطار القانوني المختصر: أين يقف القانون؟القانون يجرّم القذف والتشهير والمسّ بالحياة الخاصة، وتشتد المسؤولية مع العلنية والتكرار واتساع دائرة النشر عبر الوسائط الرقمية. كما أن الادعاءات ذات الطابع الأمني أو الجنائي—إن ثبتت—ترفع من جسامة الفعل وتُوجب تحريك البحث. وحين يقترن التشهير بطلب منفعة أو مقابل، وعند قيام قرائن جدية، ينتقل التكييف إلى الابتزاز بما يستدعي تدابير استعجالية لوقف الضرر المستمر.
ويظل تعدد الشكايات وتطابقها في الجوهر قرينة جدية تُلزم تعميق التحري وعدم الاكتفاء بالانتظار.الانتقائية في إنفاذ القانون: حزمٌ هنا وتراخٍ هناكالمقلق هو التباين الصارخ بين سرعة الحزم في ملفات معيّنة، والتراخي في أخرى رغم تشابه الأفعال وخطورتها. هذه الانتقائية—إن وُجدت—تقوّض مبدأ المساواة أمام القانون، وتحوّل التشهير إلى سلوك منخفض الكلفة، وربما مجزٍ، ما دام بلا ردٍّ زجري فعّال.التشهير كأداة ترهيب وتأثير غير مشروعتفيد معطيات الشكايات بوجود نمط يُشتبه في كونه ممنهجًا: استهداف صحفيين وحقوقيين وشهود وضحايا، وتوسيع دائرة الأذى إلى الزوجات عبر اتهامات أخلاقية باطلة. هذا ليس تعبيرًا، بل ترهيب يهدف إلى إسكات من يقترب من ملفات حساسة، ويقترب من التأثير غير المشروع على مسارات العدالة.من المحتوى إلى “الوساطة القذرة”الأخطر هو التحول المزعوم من صانع محتوى إلى فاعل ضغط غير رسمي في بعض القضايا، عبر حملات تشهير متزامنة مع تطورات إجرائية. وعندما تُثار شبهة المقابل المادي، نغادر مجال الرأي إلى نشاط جرمي يستوجب تدخّلًا فوريًا.
من التشهير الفردي إلى شبهة التنظيم الإجراميتُظهر معطيات متداولة تبلور نمط جماعي منسّق يُشتبه في قيامه على التعاون بين أشخاص من مشارب مختلفة، من بينهم رجال قانون ومؤثرون، يعملون—بحسب الوقائع المبلغ عنها—كفريق واحد في حملات التشهير والترهيب، بل ويجري الافتخار العلني بهذا الدور. قانونًا، متى توافرت عناصر التنسيق وتقاسم الأدوار وتكرار الأفعال ووحدة الهدف، فإن الوصف المحتمل يقترب من تنظيم إجرامي، خاصة إذا ارتبط بالتأثير على العدالة أو بتحصيل منافع.
هذه الوضعية—إن ثبتت—تشكل خطرًا بالغًا على السلم القضائي وسيادة القانون.مسؤولية اليقظة المؤسسيةدخول المشتبه فيه إلى البلاد لا يُعد إدانة، لكنه يُفَعِّل واجب اليقظة: التنسيق، والتحقق، واتخاذ التدابير الاحترازية المتناسبة متى وُجد خطر استمرار الضرر. قرينة البراءة لا تُعطِّل البحث ولا تُبرِّر الصمت أمام أذى متكرر وموثّق.الخاتمة: كسر الصمت… وحماية الوطن بالقانونآن الأوان لقطع مع ثقافة الخوف والسكوت. المطالبة بتطبيق القانون ليست إساءة للوطن، بل دفاعٌ عنه. أمّا حماية المفلت من العقاب والتغاضي عن تنظيم التشهير فهما الإساءة الحقيقية للوطن ولسيادة القانون والسلم القضائي.الرسالة واضحة:
لا تشهير بلا مساءلة، لا نفوذ فوق النص، ولا عدالة مع الخوف. الاستمرار في المطالبة بإنفاذ القانون واجب مدني، ومن يعرقل ذلك يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية.




