عبد الرحيم اريري


إذا راجعنا وثائق الأمم المتحدة، سنجد أن هناك 63 نزاعا إقليميا في العالم. ورغم تعدد هذه النزاعات لم يتم تطبيق الاستفتاء إلا في ثلاثة نزاعات فقط، بينما اعتمدت مسطرة التفاوض في النزاعات الأخرى.
ملف الصحراء رغم أنه كان من أقدم الملفات المعروضة في الأمم المتحدة، بعد أن بادر المغرب إلى طرح الملف عام 1960 في اللجنة الأممية الرابعة لتحرير الصحراء من قبضة الاستعمار الإسباني، إلا أنه كان يصنف مع ذلك في خانة النزاعات ذات الحدة الضعيفة conflit à basse intensité على عكس النزاعات الأخرى التي كانت ذات حدة أكبر، من قبيل: أزمة كوريا أو كوبا أو اليونان أو الفيتنام أو برلين… إلخ، لسبب بسيط يتجلى في أن الحرب الباردة كانت في أوجها، ورادار أمريكا والسوفيات لم يكن يضع الصحراء في أولوياته آنذاك.
ولهذا السبب لم يتحقق تراكم في القرارات حول الصحراء في الأمم المتحدة، وظلت أغلبية قرارات ملف الصحراء تعالج في أروقة المنظمة الإفريقية.
ولم تسترجع الأمم المتحدة ملف الصحراء إلا في عام 1990 تقريبا، بعد دخول ليبيا على الخط في ملف الصحراء بعد سنة 1975 وقبول البوليساريو في المنظمة الإفريقية عام 1984، وما تلا ذلك من احتجاج شديد للمغرب.
وتيرة إنتاج الأمم المتحدة للقرارات حول الصحراء (خاصة بمجلس الأمن) كانت في بداية التسعينات من القرن 20 بطيئة. إذ كانت تنتج في المعدل توصية أو توصيتين في السنة الواحدة، قبل أن يرتفع العدد إلى 7 توصيات عام 1997، وهي السنة التي تزامنت مع أوج عمل المينورسو في مسلسل تحديد هوية الكتلة الناخبة الأحق بالمشاركة في الاستفتاء حول مصير الصحراء. هذا المسلسل سيشهد بدوره خلافا حادا حول طبيعة وبروفيل الهيئة الناخبة الصحراوية: أي هل ندمج كل صحراوي ونسمح له بالتصويت بحكم الامتداد الإثني داخل عدة دول (داخل مساحة تفوق 8 ملايين كيلومتر مربع!)؟ أم يتم الاكتفاء بلائحة الإحصاء الإسبانية المحددة عام 1974؟ أم نزيد عليهم أولئك القاطنين في تندوف؟ أم نحصي حتى أولئك الذين سبق أن هربوا من جحيم القمع في فترة الاحتلال الإسباني قبل 1974 واستقروا بمدن المغرب؟
هذه الأسئلة شكلت صداعا للخبراء الأمميين، ما جعل الأمل يخفت إلى أن اهتدت الأمم المتحدة إلى الحاجة إلى فتح مفاوضات بين أطراف النزاع.
في ظل هذه الدينامية الخاصة بفتح المفاوضات لطي ملف الصحراء، أنضج المغرب مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه عام 2007، وهو المقترح الذي تزامن مع الفورة الحقوقية التي عرفها المغرب بفضل دينامية هيأة الإنصاف والمصالحة من جهة، وإطلاق مسلسل العدالة الانتقالية من جهة ثانية، بشكل جعل كشافات ضوء المنتظم الحقوقي الدولي (خاصة مجلس حقوق الإنسان الذي رأى النور عام 2006) تسلط على المغرب. ومما زاد من وجاهة مبادرة الحكم الذاتي تزايد منحنى الإرهاب بدول الساحل، الشيء الذي جعل ملف الصحراء يقفز من خانة النزاعات ذات الحدة المنخفضة إلى النزاعات ذات الحدة الخطيرة، بحكم أن منطقة الساحل أضحت بؤرة مقلقة وخطيرة للإرهاب تهدد الأمن والسلم العالميين. وهذا ما قاد الدول العظمى إلى زيادة الجرعة في الاهتمام أكثر بملف الصحراء. فكانت البداية يوم 10 دجنبر 2020 بموقف واشنطن القاضي بالاعتراف بالسيادة المغربية على كامل ترابه من طنجة إلى الكويرة، وما تلا ذلك من فتح قنصلية أمريكية بالداخلة، كان بمثابة تحصيل حاصل، ومنعطف حاسم في قضية وطنية وصحراء مغربية، بنت الجزائر فوق كثبانها أوهاما ومستنقعات من الكذب!!