بقلم ذ. المصطفى القادري – لندن

المناضل كفكرة مجتمعية مرتبطة بالحياة الإجتماعية للأفراد، شأنها شأن باقي ظواهر الطبيعة، تخضع لعوامل التأريخ و مراحله، تولد وتنمو وتتفاعل إن إيجابا أو سلبا مع القضايا وأخيرا تهرم وتتلاشى، سواء إرتبط الأمر بالنضال الإجتماعي أو الحقوقي أو السياسي. هذه الحقيقة يجب أن يتوقف عندها البعض مليا، ليحدد موقعه في رحلة النضال، في مراجعة للذات و محاولة لتحديد وضعه الراهن الذي يعيشه، وليأخذ القرار المناسب حول الإستمرار على نفس النسق النضالي أو إدخال بعض التغييرات و الإنتقال إلى مستوى متقدم أو ربما حتى التفكير في الإستقالة و الذهاب إلى ممارسة هواية كالصيد مثلا في بركة نائية تاركا المجال لطاقات جديدة تسير المرحلة بأساليبها التي تناسبها خصوصا عندما يصبح حجر عثرة في مسار النقاش المجتمعي و منبع لأفكار و تصرفات تلوث الفضاء العام بالتصريحات و الأراء العدمية و الهدامة المغلفة برداء التقوى النضالي و المزركشة بعنوان التجرية و الشرعية التاريخية.
ليس هناك وجود للمناضل الأبدي الأسطوري، الذي يناضل بنفس الأفكار و المبادئ مستعملا نفس الأساليب من المهد إلى اللحد، لأن الأفكار تتغير و الأساليب تتطور و النظريات تتحين أو تسقط نتيجة إكتشافات متجددة. كما أنه لا وجود للإستقرار في طبيعة المناضل ذاته، فالنضج و مراكمة المعرفة يحولان دون ذلك، إذ أن النضج في مفهومه الإيجابي يعتبر عاملا محوريا في عملية التقادم التي تشكل قدرا محتوما لفكرة النضال في حد ذاتها و إقتراب المناضل من نهاية مدة صلاحيته و الإنتقال إلى المرحلة الموالية إن توفرت الشروط الذاتية و الموضوعية لضمان الإنتقال الناضج.
إن القارئ لسير قادة النضال سواء من خلال الكتب التي تؤرخ لمسارهم النضالي، أو من خلال سيرهم الذاتية، بل حتى عبر الأخذ بالتحليل تطور الأفكار والأراء حول مختلف الموضوعات المناقشة عبر إنتاجاتهم الفكرية من كتابات أو مقالات الرأي، سيلاحظ حتما أننا ومن خلال القراءة، سنكون بصدد مرافقة هؤلاء المناضلين عبر مساراتهم في الحياة. هذه المسارات في حال تم النظر إليها من زاوية تحليلية سنستكشف ليس فقط الأراء المرتبطة ببعض التفاصيل أو المحطات التاريخية، و إنما نصبح قادرين على فهم منهجية التفكير عند الفاعل المناضل، و أحيانا إستكشاف منابع العبقرية الفذة التي طبعت علاقتهم بأحداث مجتمعية، بل و سنتمكن لا محالة من تسليط الضوء على التغييرات التي عرفتها شخصياتهم النضالية و الأسباب التي كانت وراء حدوث نقلات تطور مهمة في مسار حياتهم.
في الدول الغربية حيث عرف النضال بوصفه ظاهرة إجتماعية حالة مأسسة عميقة، نجد أن هذا الوعي حاضر بعمق سواء نظريا أو على مستوى الممارسة المرتبطة بالنشاط السياسي أو الحقوقي أو النقابي، فالمستويات محددة و مؤسسة و منظمة بشكل يضمن صعود المناضل في صفوف هذه المؤسسات وفقا للعطاء الذي يقدمه للتجربة من جانب أو التراكم المعرفي و التجربة التنظيمية الثمينة التي تعتبر قيمة إضافية تكون بمثابة المحصلة لسنوات من العمل الجاد و الإحتكاك المثمر مع المستويات المتقدمة، لذلك يتلمس المراقب أو المحلل معالم ثقافة المؤسسة الواحدة و احترام المنخرطين للهيكل التنظيمي و الإنظباط لقواعد النقاش و المناظرة، و الإلتزام بآليات التصارع و قواعده.
المنخرط أو المناضل يوضع في صلب إهتمامات المؤسسة بإعتباره العنصر الأساس و الرأسمال الأعلى قيمة إذ يتوجب على القيادة أن ترافقه و أن تعمل على تطوير قدراته من خلال إمداده بكل المستجدات المعرفية و ضمان سلاسة فهمه للمستجدات بالشكل الذي يحول دون تحويله إلى حجر يعرقل المسيرة الجماعية أو أن يغذو حصوة حذاء مدمية تنهك القيادة على احتلاف مستوياتها في مشوارها الطويل و الشاق.
لذلك، وبرغم الإنتشار الواسع لشعبوية اليمين و اليسار بأوروبا، و التي استطاعت أن تقنع الكثيرين من الغاضبين سواء من الفساد المالي و الأخلاقي للطبقة السياسية أو ذلك المتعلق بسوء التدبير الإقتصادي الذي زج بملايين الأوروبيين في أزمة إقتصادية رأى البعض أنه كان من الممكن تجاوزها أو تقليل ثقل تداعياتها لو أن الساسة اتخذوا مقاربة أكثر وطنية و إجتماعية، بدلا من ضخ مقدرات الدولة و صناديق التقاعد و ضرائب المواطنين لإنقاد مؤسسات أعتبرت مسؤولة عن الأزمة الإقتصادية لسنة 2008 و التي كان من تداعياتها المباشرة حدوث تصدعات عميقة بين الشركاء الأوروبيين أفضى إلى خروج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي بعد نتائج الإستفتاء التي فاجأت البريطانيين أنفسهم قبل غيرهم بدليل إنغماس البلد في نقاش معقد طبعه التيه تارة و اللف و الدوران تارة أخرى، الوضع الذي دام خمس سنوات، و لازالت تبعاته مستمرة إلى إشعار أخر.
بالرغم من النتائج المفاجئة بإيطاليا بعد صعود نجم الشعبوية السياسية، و تكاثر أحزاب بنت ظهورها على أنقاض فشل الأحزاب العريقة كما في إسبانيا، بل حتى المفاجأة المتعلقة بإنتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة، بالرغم من أن الخريطة السياسية الغربية قد تمللمت أسسها و تغيرت معالم وجهها بشكل واضح، إلا أن المواطنين لم يخرجوا ليبخسوا دور الأحزاب و مؤ سسات الدولة أو إطارات المجتمع المدني.
الوعي بالديموقراطية من جانب، و الفهم المتقدم لدى العامة قبل النخبة بضرورة وجود مؤسسات لتستمر الدولة، و معها الضمانات الديموقراطية و الحقوقية أمر محسوم لدى كافة طبقات المجتمع، فلن تجد بالمحصلة من ينادي بمسح المؤسسات من الوجود أو محاربة الأحزاب السياسية والإطارات المدنية، و لن تجد مواطنا أوروبيا واحدا يتهم جمعية أو مؤسسة بخصوص ظاهرة إجتماعية لأن الوعي تحصيل حاصل.
المتتبع للوضع السياسي المغربي و لما يسمى باللعبة السياسية عموما قد يلاحظ أن انعدام الثقة بين المواطن و مؤسسات الدولة من جهة و بينه وبين نسيج الأحزاب السياسية التي فقدت بوصلتها و ارتمت دون شرط أو قيد تتقاذفها أمواج الدولة العميقة و صقورها كما يحلوا للبعض أن يسميها، قد أصبح في أعلى مستوياته منذ بداية ما يسمى بالدولة الحديثة بالمغرب، أو ما بعد الإستقلال.
اليأس الذي أصبح حديث حال الفاعل السياسي و المثقف، بل حتى الأستاذ و المهندس والطبيب، في زمن الإنهيار هو في الحقيقة مرأة تعكس إنهيار ما تبقى من قيم و استسلام الجميع لحقيقة مرة مفادها أن الوطن قد ضاع ولم يعد هناك ما يمكن إنقاذه. المغادرة الطوعية لأطر مغربية مارست التعليم و النزيف المتواصل نحو بلدان الشمال لمن كانوا بالأمس من مناضلي الأحزاب و النقابات و الإطارات الحقوقية، حاملين معهم يأس من ضاع منه العمر دون تحقيق قيد أنملة من حركية التغيير التي أوهموا بأنهم كانوا جزءا منها في مرحلة من مراحل نضال البيانات التي غالبا ما تتخصص في ترديد فقرات من كتابات لم يعد يؤمن بها حتى أصحابها، عقول توقفت في مرحلة الخمسينات وكأن الإنتاج الإنساني قد فقد الإتصال بوصلة الطاقة. مناضلون عدميون من ذوي التكوين المتهالك، يتعاملون مع قضايا الناس المصيرية بمنطق نرجسية نقاشات المقاهي، في جهل تام بالتعريفات، و النظريات، و المسلمات، و الحقائق العلمية، لا يميزون بين المفاهيم و لا قابلية لديهم لتجديد معرفتهم الرخيصة، غافلين تماما عن وجود جحافل من الباحثين منكبين على دراسة الظاهرة الجديدة التي أصبح هذا الصنف من المهاجر يغذي تفاصيلها.
عقول أصابها الخرف، و أطلقت العنان لإنتاج التفاهة التي لا تحترم تراكما و لا تقدر مجهودا سبق، تبخس كل شئ، و تنتقد دون فهم، و تناقش عن جهل مركب متأصل فيها، و الأدهى أنها بعلم منها أو من دون تخدم أجندة محاربي الإرتقاء الإجتماعي لأبناء هذا الوطن سواء بالداخل أو بالخارج.
مناضلون إنتهت مدة صلاحيتهم، لا قدرة لهم على تحقيق الإندماج، و لا طاقة لهم بمزاولة عمل، أهدافهم لا تتعدى ملء الأمعاء ببعض الطعام، تراهم تتقلبهم القضايا المدفوعة الأتعاب و الثمن فتات موائد الأسياد، أصحاب الأجندات التي يخطط لها بإتقان، تبخيس و تمييع و صعلكة، تراهم وهم لايزالون يتجولون كالزومبي ـ الأحياء الأموات ـ بين الناس ينفثون الروائح الكريهة و يوزعون العضات المسعورة يمنة و يسرة. لا هم انتقلوا الى المراحل التي كان من المفروض أن يصلوها، و لا هم استقالوا و اراحو البلاد و العباد من ضجيجهم المؤذي.
إلا أن الطامة الكبرى، تكمن في اختلاط الحابل بالنابل في سوق النضال، حيث تتيه العنزة و يضيع الموقف و يختلط الشريف باللص، فلو أن الشرفاء لم يضعوا رؤوسهم بين النخال لسهل على المتتبع أن يحسن التصنيف و يتحقق التمييز بين الشريفة العفيفة و الساقطة المبتذلة.
إفرحوا، ياأصحاب الأجندات، فإن كل ذي رأي رشيد متفق أنكم بطغيانكم و استبدادكم ترسمون وجهتكم نحو السقوط، فلم يعد مجال لعهد جديد، وإن غذا لناظره قريب.