أحمد رباص – حرة بريس

بعد محاولة قمعتها سلطة الخلافة في عهد (ابن مسرة)، كان أول فيلسوف أندلسي حقيقي هو ابن باجة، الذي ولد في سرقسطة حوالي 1085-1090، سرعان ما تألق كموسيقي وشاعر (ينسب إليه غارسيا غوميز اختراع الزجل)، وأصبح يعيش في حماية الحاكم المرابطي لسرقسطة ابن تيفيلويت الذي عينه وزيرا، حيث استمر في منصبه هذا من 1110 إلى 1117.
بعد وفاة ابن تيفيلويت عام 1117 واستيلاء المسيحيين على سرقسطة (1118)، غادر هذه المدينة وعاش حياة يبدو أنها كانت كلها اسفار إلى مختلف المدن الأندلسية واتهامات بالاغتناء كانت قد وجهت إليه.
جمعته علاقة صداقة بوزير في الدولة المرابطية اسمه ابن الإمام، وبعالم وفيلسوف من أشبيلية لم يصلنا اي مؤلف من مؤلفاته، اسمه ابن وهيب، الذي يبدو أنه وفر له الحماية اللازمة من العداوات العديدة التي أحاطت به بسبب مزاجه، وعدم امتثاله للنزعة المتزمتة، وشبهات الابتداع التي أثرت عليه. مات بفاس مسموماً سنة 1138، ولا نعرف من دس له السم.
أنجز ابن الإمام اللائحة الطويلة لأعماله ونقلها عنه لاحقا ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”.
في عمله الرئيسي، “تدبير المتوحد”، يعبر عن احتجاج أخلاقي ضد المادية والحياة الدنيوية للطبقات الحاكمة في ذلك الوقت. فساد المجتمع ألزم الرجل الذي فهم حالته الحقيقية بالبقاء على الهامش، على الأقل في الجانب الفكري.
بالنسبة للفيلسوف، يكمن الاهتمام الرئيس لعمله في تحليل الصور الروحية أو الأفكار الموجودة في الفكر البشري. قادته هذه العزلة إلى التأمل الصوفي.
قيل الكثير، على أساس نصوص لا جدال فيها، عن عدم تسامح المرابطين. كتب عالم المنطق الكبير
الحجاج يوسف بن محمّد بن طملوس والشهير باسم ابن طملوس (1164-1223) صفحة شهيرة حول هذا الموضوع، وفي النص الثاني المقترح أدناه، تذهب أقوال ابن الإمام ذاتها، عن تحفظ ابن وهيب عن عرض أفكاره الفلسفية، في نفس الاتجاه.
يلاحظ مع ذلك أن التطور الأول لفلسفة أندلسية حقيقية حدث في هذا الوقت، لدى شخصية تشكلت في نهاية عهد الطوائف، لكن فكرها تطور تحت كنف الحماية التي قدمها له الأصدقاء المحتلون لمناصب سامية في هرم الدولة المرابطية والقادرون فكريا على فهمه.
الموقف الرسمي للدولة الموحدية المتأثر مذهبها بالفلسفة الغزالية، والذي كان مواتياً للفكر الظاهري ومعادياً جدا للتزمت الفكري لدى الفقهاء المالكيين الأقوياء في الفترة السابقة، أدى في ما بعد لتطور فكري ملحوظ كان ممثله الأول ابن طفيل (المولود في وادي آش حوالي عام 1105، والمتوفي عام 1185).
من أشهر أعماله قصة “حي بن يقظان”، المترجم إلى الفرنسية تحت عنوان “الفيلسوف العصامي” (Philosophe autodidacte).
تنطوي هذه الحكاية المجازية على شخصيتين؛ إحداهما (حي) نشأت في جزيرة خالية دون أي اتصال بشري، ووصلت من خلال التفكير في محيطها إلى تطوير نظام فلسفي كامل، متضمن لعقيدة عن الله ودرجة معينة من النشوة الصوفية. اما الشخصية الأخرى الحاملة لاسم آسال، والقادمة من جزيرة مأهولة، والمتربية على احترام الشرائع والممارسات الدينية، خرجت تبحث عن مكان منعزل حيث يمكنها أن تكرس نفسها للتأمل الصوفي الذي يكشف لها المعنى الخفي (ضمن تقليد ابن باجة).
وجد آسال حيا في جزيرته، ووجدا معا أن الفلسفة التي وصل إليها حي عن طريق التفكير، والدين الموحى به من السماء والذي علمه إياه رفيقه، شكلان من نفس الحقيقة الأبدية.
حاولا إقناع أهل الجزيرة المأهولة بذلك، لكنهما فشلا، وعادا إلى عزلة الجزيرة المهجورة لإنهاء حياتهما في تأمل هذه الحقيقة الأبدية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube