أحمد رباص – حرة بريس

إن طريقة التفكير الصارمة لهذا العالم الفيلسوف صالحة لمحاربة كل ما هو غير عقلاني وعاطفي، وهي في الغالب الأعم ضد كل ما تتأسس عليه التفاهة.
إن الخطر المستطير المترتب عن الأزمة التي نمر بها اليوم هو أن القلق له الأسبقية على العقل، وان العاطفة واللاعقلاني هما السائدان؛ الشيء الذي لا تتأخر عن استغلاله العقول الاكثر ميلا للتلاعب والموجودة بالفعل في جميع أنحاء العالم.
إذا، كيف ندافع عن انفسنا؟ فأثناء التفكير، لا مناص لنا من اللجوء إلى المعلمين الذين أثبتوا جدارتهم.
يحتفظ التاريخ لبليز باسكال باقوال مأثورة سجلت بمداد الفخر على متون التراث الإنساني، مثل “الإنسان ليس سوى قصب، الأضعف في الطبيعة، لكنه قصب تفكير”، “العدل بلا قوة لا حول له ولا قوة، القوة بلا عدالة استبداد”، “للقلب حجحه التي لا يعرفها العقل”، “الموضة ذاتها والبلدان تنظمان ما نسميه جمالا”.
من هذه الأقوال ما صنع الشهرة لأجمل ملكات مصر:”لو كان أنف كليوباترا أقصر، لكان وجه العالم كله قد تغير “…
بوصفه فنانا في اللغة (فولتير اعتبر أنه ابدع اللغة الفرنسية الحديثة)، عرف باسكال أكثر من أي شخص آخر في عصره كيفية استخدام هذه الجمل القصيرة، التصويرية، الحيوية، لفهم ووصف الحالة الإنسانية.
من نحن؟ كيف يمكننا تحقيق الخلاص دون أن نسقط في منطقة معادية؟
هو نفسه عانى من المرض طوال حياته، وكان يكتب وهو يعاني. الآلام والشكوك امتحنته وخبرها.
هناك من اقتنع، مثل مؤرخ الأفكار فيليب سيلييه، بأن هذا القارئ العظيم للقديس أوغسطين، الذي أصبح مدافعا عن الجنسينيين*، كان أول الوجوديين، الأب الفكري لهايدجر، لسارتر ، ولمالرو، بواسطة البير كامي.
رأى آخرون في هذا المجادل ذي اليراع اللامع سلفا لكبار المؤرخين في القرن العشرين، مثل فرانسوا مورياك.
بالفعل، لأنه لمس كل شيء بموهبة، بل بعبقرية – الدين كما العقل، السياسة كما الفلسفة، العلم كما الأدب – فقد ترك عملاً متقناً يصعب احتضانه.
مرة أخرى، يكرهه فولتير على جانبه المتدين ويكرمه من أجل كتابه “أفكار”. سيمون ويل، الفيلسوف الكاثوليكي، الذي وجد نفسه فيه بسبب إخلاصه وتعلقه بالفقراء، يوبخه على تفكيره في الإيمان.
لكن بيير بورديو أهدى له تأملاته. قرأه رولان بارت، على أمل أن يتخلص من الحزن على وفاة والدته بهذه الطريقة.
بليز باسكال هو نجم مظلم يزعج، لكنه يطمئن. في مجتمع الفرجة المفتون بالإفراط، تخلق ملحاحيته الفكرية الفوضى، لكنها تسمح بالأمل. هذا هو بالضبط سبب وجوب قراءته. أكثر من أي وقت مضى، تبقى صرامة أسلوبه في التساؤل، ورفضه للاستبداد والظلم، وتعاطفه الهائل مع ما نحن عليه، دعما كبيرا لأولئك الذين يريدون أن يمنحوا أنفسهم الوسائل للتفكير في خضم الصراخ والفوضى.


(*) نسبة إلى مذهب جنسينيوس وتلاميذه، القائم على النعمة والأقدار، عرف عنه بأنه حركة دينية وفكرية ينشطها أنصار هذا المذهب.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube