عبدالعزيز نداء فاعل سياسي. فاس

تعود الارهاصات الأولى للدستور و الديمقراطية ببلادنا لسنة 1908 حيث نشرت نخبة ضيقة جدا لا تتعدى بعض الافراد من ساكنة مدينة طنجة أول مشروع دستور ببلادنا. منذ ذلك الحين لم يتوقف تطوًر المطلب الدستوري و الديمقراطي ببلادنا حتى اليوم. فلا زلنا حتى يومنا هذا عدة دعوات من هذا القبيل و لعل أكثرها اثارة للجدل مطلب اقامة نظام ملكية برلمانية الذي تتبناه الكثير من القوى و النخب الديموقراطية.
شكلت وثيقة المطالبة بالاستقلال المقدمة في 11 يناير 1944 بمضامينها الاجتماعية و الدستورية و الديمقراطية تطورا في الوعي للسياسي لنخب تلك المرحلة. يمكن اعتبار هذه الوثيقة نوعا من العقد الوطني الذي يربط بين المطلب الوطني في الاستقلال و المطلب السياسي الاجتماعي في بناء نظام ديمقراطي.
نظريا كان من الممكن استئناف النخب المغربية لتطبيق مقتضيات وثيقة المطالبة بالاستقلال مباشرة بعد عودة ملك البلاد محمد الخامس من المنفى و تشكيل أول حكومة في مرحلة الاستقلال الجديدة. لكن هذا الافتراض لم يتحقق،بل ما عاشه المغرب في تلك الفترة جعل سلًم الاولويات يتغير بسرعة بين جيش تحرير يعمل على تحرير ما تبقى من اراضي مغربية تحت الاحتلال الاسباني وضرورة رحيل الجيوش الاجنبية عن بلادنا و نخب اجتماعية وسياسية تريد الاستفادة الاقتصاد من الوضع الجديد و مؤسسة ملكية تريد أولا تثبيت حكمها و سلطتها.
لقد وقع نوع من الاضطراب العميق الذي عطل انطلاقة البناء الدستوري الديمقراطي للمغرب المستقل. بالرغم من ذلك تم احداث المجلس الوطني الاستشاري في 18 نونبر 1958 وكان يترأسه المهدي بنبركة وكان مؤسسة عكست التعدد الموضوغي الذي أصبح عليه المجتمع و النخب المغربية كما كان أول صيغة للمؤسسة التشريعية الموعودة. كان الصراع بين مختلف الفرقاء يحتدً يوما بعد ٱخر إلى أن تمت إقالة حكومة عبدالله إبراهيم مما شكل انقلابا هائلا في موازبن القوى في تلك المرحلة. هذا التغيير فتح الباب امام تقاطب جديد على قاعدة صراعية تناحرية.
في هذه الظرفية المشحونة والمعقدة طُرحت فكرة تحضير أول دستور للمغرب المستقل. فكان ذلك عنوان جديد لتصارع الاقطاب التي تبلورت ساعتها.
لقد احتدً الصراع طويلا و لم يخفت إلا في بعض اللحظات التي لم تكن تخلوا من عنف. لكن التوافق المطلوب لم يحصل إلا جزئيا مما دفع بالملك الراحل الحسن الثاني مرة إلى فرض حالة الاستثناء و مرة لرفعها بعد أن أصبح الفراغ السياسي الناتج عن قرار فرض حالة الاستثناء يهدد استقرار النظام الملكي ببلادنا خاصة مع محاولة تدخل الجيش مرتين لفرض وجهة نظره عبر عمليتين تمرديتين انقلانيتين فاشلتين. في محاولة انجاوز هذه الاوضاع الخطيرة اتجه الملك الحسن الثاني نحو إجراء مصالحة واسعة بين مختلف القوى المتواجدة وفتح لهذا الغرض مشاورات شملت مختلف هذه القوى دشنها رمزيا بمفاتحة ممثلي جيش التحرير لتشملبعد ذلك مختلف القوى و على رأسها حزبي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و حزب الاستقلال. لكن بقيت هنالك قوى معارضة لم تقبل بما كان يخطط له واعتبرته مناورة للالتفاف على المطالب المشروعة التي عبرت عنها جماهير الشعب المغربي وهي تضحى بحماس من أجل عودة عاهل البلاد و تحقيق الاستقلال. فكانت تحركات مسلحة لايقاف هذا المسار التصالحي ففشلت بدورها في تحقيق اهدافها. قبل الخروج من تعقيدات هذا الوضع برزت تحركات قوى جهوية و دولية لاستغلال الوضع المغربي المهتز ساعتها. لقد كانت بوابة اقليمنا المغربية الصحراوية هي البوابة التي حاولت منها هذه القوى النفوذ للداخل المغربي. إلا أن الحس و الروح الوطنيين انتصرا مجددا وحسم المغرب المعركة عبر بناء لُحمة وطنية قوية جدا. هل كان ذلك كافيا لتحصين الوضع المغربي من جهة و تحقيق الطالب الدستورية و الديمقراطية التي استمرت كمطلب رئيسي لقوى سياسية وازنة جدا في الساحة الوطنية؟
صحيح أنه وقع الربط مجددا بين التحرير و الديمقراطيةمما اسفرت عنه أواسط سبعينات القرن الماضي من انفراجة سياسية و تنظيم انتخابات عامة شابها مجددا التدخل السافر للجهاز الاداري عبر ممارسة التخويف و التضيق تارة و التزوير الفاضح تارة اخرى مما جعل من انتخابات سنتي 1976 و 1977 بوابة لعودة الشكوك و التوجسات وجعل المواقف المتصارعة لا ضاعها السابقة في مطلع ستينات القرن العشرين .

لقد خبت في مرحلة استعادة الاقاليم الصحراوية المطالب الدستورية ، لكنها فرضت نفسها مجددا بعد ما ٱلت إليه الأوضاع السياسية في عقدي السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي…. لم تستطع كل محاولات الاصلاح تغيير عمق الخلافات الأصلية. كانت الاوضاع تنفجر بين لحظة وأخرى لكن دون تغيير فعلي ولعل ماعشناه منذ 20 فبراير 2011 خير نموذج على عجز نظامنا السياسي على انهاء حالة التقاطب العميقة والتي تعيق تحقيق قفزة نوعية في نظام الحكم ببلادنا و تسمح بتحرير طاقات الشعب المغربي لبناء المجتمع و الدولة العصريين.
من المؤكد أن الأمر يتطلب وضع حد لٱثار الخلافات و الصراعات حول نموذج الدولة التي يجب أن يقود المغرب نحو تحقيق اهدافه الكبرى التي كانت تعطيها الاغلبية الساحقة من المغاربة لمفهوم الاستقلال.
هذا الوضع الذي نحن عليه اليوم لا يمكن أن يستمر و على كافة القوى القبول بتنازلات مهمة و ملموسة تحقق القاعدة المجتمعية و السياسية الواسعة لكي ينخرط المغرب بكل مكوناته و كل فئاته في مسار إصلاحي جديد يسمح بالقطع مع منطق الصراع التناحري كما يسمح لكل الفئات بالشعور بأنها غير مقصية من الثروة و السلطة في مغرب القرن 21.
من جهة أخرى لا يمكن ترك هذا التطور المرغوب فيه لأية صدفة أو تطور فجائي بل لا بد من الاشتغال عليه بقوة ووضوح خلال السنوات القليلة القادمة حتى تكون مواعيد 2026 لحظة تدشين التحول النوعي المنشود في نظامنا السياسي والاجتماعي وحتى يحصل الانسجام ليس فقط في الحياة السياسية والاقتصادية فقط بل وكذلك في الحالة النفسة والعقلية للمغاربة.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube