سعيد يقطين

وجدتني أطرح هذا السؤال على نفسي وأنا أعاين التطورات التي يعرفها الوطن العربي، وما يعاني منه «الجسد» العربي من أوصاب ومصائب شتى. وإذا كانت كل العلل، ما ظهر منها وما بطن، تنسب عادة إلى السياسيين الذين لا تهمهم سوى إدامة الأمراض والمصائب لاستمرار بقائهم في المناصب، على غرار تجار الأسلحة، الذين يعنيهم استمرار الحروب، فإن السؤال عن «العقل» العربي من خلال البحث عن المكان الذي يملؤه المثقفون يفرض نفسه بإلحاح. أين يوجد المثقفون فعلا؟ أم أن لا مكان لهم في كل هذا الفضاء الشاسع الذي يحتله الجسد العربي؟ أم أن هذا العقل ليس إلا من ذاك الجسد، وكلاهما يعاني من أمراض مزمنة يساهم فيها السياسيون، ويكرسها المثقفون بصيغة أو بأخرى؟
إذا كان السياسي يحتل كرسيا، وينافح عنه في البقاء فيه ما دام حيا، ولن يتخلى عنه، والموت يتهدده إلا بعد أن يبقيه لأحد أبنائه، أو أقربائه، وبذلك يكرس حضورا دائما رغم أنف الجميع، نتساءل ما هو الفضاء الذي يعيش فيه المثقف في عالمنا العربي؟ وهل نجح فعلا في أن يصطنع له «كرسيا» ولو افتراضيا، يستمر من خلاله وجوده وبقاؤه؟ أما أن يخليه لأحد أوليائه فهو من رابع المستحيلات لأنه، وهم معه، يقتنعون مع الزمن أن الفعل الثقافي لا يمكن أن يورث لأنه رأسمال غير مربح، ولا مُجدِǃ
كان المثقفون في الماضي المغربي، مثلا، يشكلون مجتمعا قائما بذاته، ولهم سلطة يفرضونها على الجميع. وآية ذلك أن كل الدول المغربية التي كانت تتأسس في الجنوب، وتحتل مراكش (العاصمة الاقتصادية آنذاك) لا تفلح في فرض سيادتها، أي سياستها، على المغرب كله إلا بعد أن تحتل فاسا (العاصمة العلمية) حيث يمكِّنها ذلك من اكتساب شرعيتها من السلطة الثقافية، التي كان موئلها في فضاء محدد هو جامع القرويين. وفي ظل الاحتلال الفرنسي ظل المجتمع الثقافي في القرويين يؤرق الاستعمار، ولذلك عمل على نقل العاصمة إلى الرباط لتحييد الفضاء الثقافي، الذي يؤثر في السياسة، ونزع السلطة منه لتبقى في يد السياسيين وهم يجتمعون في الفضاء الذي يبقيهم بمنأى عن أي فضاء آخر مناهض أو مقرر.

بماذا عوض المثقفون غياب المجتمع الثقافي الذي كان «يجمعهم»؟ كانت الساحة الثقافية الفضاء الذي فرضوا فيه وجودهم الثقافي في النقد والإبداع. فما هو الفضاء الذي يمكن أن يستعيدوا من خلاله وجودهم؟ إنه سؤال الإبدال المعرفي.

لا وجود لفضاء ثقافي يمكن أن يتقرر من خلاله وجود المثقفين.. إنهم يعيشون بين الحقيقة والخيال، فلا هم يحققون شيئا في الواقع، ولا هم يفلحون في إنتاج الخيال القادر على التحليق، وتخليق الحياة. يقتصر وجودهم في الكتاب الذي يحتل رفا في مكتبة صار لا يدخلها أحد، أو في الفضاء الافتراضي الذي تُحمَّل منه تلك الكتب دون أن تُقرأ، وهي تحجب في ملفات لا تفتح أبدا. فما الذي جعل المثقفين لا يحتلون أي فضاء تتجسد من خلاله رؤيتهم للعالم، ومتخيلاتهم عن الواقع، وتطلعاتهم للإسهام في التفكير فيه، وطرح الأسئلة عنه. أما السؤال عن تغييره فظل فكرة راجت في القرن التاسع عشر، ثم راحت أدراج الرياح.
تحدث ريجي دوبري في كتابه حول الوسائطيات عن العلاقة الوطيدة بين الوسيط والفكر، والفضاء الذي تتجسد من خلاله الأفكار. إن وجود المجتمع الثقافي يرتبط بإبدال معرفي، وفضاء يتحدد من خلاله وجود ذاك المجتمع. ومتى انفرط عقد المجتمع الثقافي، وغاب الفضاء الذي يلتئم فيه ذاك المجتمع لا يبقى للمثقف أي وجود، فيكون السؤال عن مكان وجود المثقف ضربا من المستحيل، فما هو الإبدال الثقافي أو المعرفي الذي يشترك فيه المثقفون العرب حاليا؟ إذا لم نطرح هذا السؤال، ونعمل جميعا على التفكير فيه، سيظل الحديث عن الثقافة العربية المعاصرة، وعن المثقف العربي ضربا من الأباطيل.
في السبعينيات وحتى بداية التسعينيات كان للمثقف العربي وجود من خلال أسئلة مجتمعية، ومشاريع فكرية، وإطارات ثقافية (اتحادات، روابط) تجتمع وتتحاور، وتفكر بكيفية مشتركة في المستقبل والماضي والحاضر، وكانت لها منابر ومؤسسات للنشر (وسائط). كانت الدولة والحزب معا يحرصان على أن يكون لهما مثقفون يتفقون معهما كليا أو جزئيا، ويتبنون ما يسعيان إلى تحقيقه، أو تكريسه. لكن ما طرأ مع التطورات السياسية والاقتصادية عربيا وعالميا، منذ بداية الألفية الجديدة، جعلت الأنظمة والأحزاب تتخلص من مثقفيها. كما أن جزءا من المثقفين أعلنوا انصرافهم عن السياسة التي تدعمها الحكومات المتعاقبة، وهي لا تفكر إلا في استمرارها، أو الأحزاب التي ذاقت طعم السلطة وصارت لا تفكر إلا في إدامة استفادتها. فكان أن اتسع الخرق على الراقع، فتشتت المجتمع الثقافي، وانهار «الفضاء» الذي كان يحتوي أسئلة المثقفين وهواجسهم. وصار الوجود باهتا، والسؤال منعدما، فكثر أشباه المثقفين، ولعب الفضاء الافتراضي الرقمي في إشاعة الفقاعات بلا حسيب ولا رقيب. انقسمت الروابط والاتحادات، واختفت المجلات والجرائد الجادة، وانتهت دور النشر المسؤولة.
بماذا عوض المثقفون غياب المجتمع الثقافي الذي كان «يجمعهم»؟ كانت الساحة الثقافية الفضاء الذي فرضوا فيه وجودهم الثقافي في النقد والإبداع. فما هو الفضاء الذي يمكن أن يستعيدوا من خلاله وجودهم؟ إنه سؤال الإبدال المعرفي.

كاتب مغربي

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube