أحمد رباص – حرة بريس

بادئ ذي بدء، عندما نتحدث عن النخبة، علينا أن نشير إلى أي نخب نعني: النخب السياسية؟ الإدارية؟ المحلية؟ الاقتصادية؟
للبقاء على المستوى العام وعلى المستوى الوطني، نميل إلى الاعتقاد بأنه لا يمكننا التحدث عن النخب دون إثارة مسألة التكوين كشرط أساسي. أي النظام والقنوات التي تساهم في إنتاج هذه النخب.
نفس الشيء يقع في جميع البلدان، تتشكل النخب في المدرسة والجامعة … هذه النخب هي نتيجة، في جزء كبير منها، لما يتم إنتاجه من حيث الكمية والنوعية، ونظام التكوين بصفة عامة.
من وجهة النظر هاته، نلاحظ في المغرب تفاوتات كبيرة في جودة التكوين المقدم في قطاعات الإنتاج للنخب. الأسباب عديدة (مادية، تعليمية، تكوينية ، إلخ) ومعروفة وموثقة. ترتبط بشكل أساسي بأوجه القصور في جودة والنعليم، في كل من المرحلتين الابتدائية والثانوية، والتي تنعكس أوجه قصورها بشكل طبيعي على الأسلاك العليا.
بيد أن المدرسة والجامعة، من وجهة نظر أخرى، لا تحتكران تكوبن النخب، بل تلعب الأحزاب السياسية والمؤسسات الوسيطة دورا حاسما في هذا المجال. غير أن المغرب عرف منذ عدة سنوات إضعاف الأحزاب السياسية التقليدية لعدة أسباب. أولاً، فقدان الثقة بالنخب السياسية ظاهرة عالمية. يرى كثير من الناس أن النخبة السياسية منفصلة تماما عن تطلعات الشعب الذي أصبح كما قال روسو ، ملكا ليوم واحد لا يُطلب وده إلا في وقت الانتخابات.
وبدلاً من أن تكون النخب السياسية مندورة للدفاع عن الإرادة الشعبية، فإنها تتصرف كما لو كانت في ملكيتها. بالإضافة إلى عدم الثقة في السياسة، حدث تغيير كبير؛ ألا وهو اختفاء الطبقات الاجتماعية من الخطاب السياسي.
في السابق، دافع السياسيون عن الظروف الاجتماعية للطبقات التي تبنوا قضاياها. وهكذا، كان رئيس حزب العمال دائمًا نقابيا. لم يعد هذا هو الحال اليوم. تم استبدال “سياسة الطلب” بـ “سياسة العرض” حيث يأتي أحد الأطراف بمشروع أو عرض يجب على الناخبين الالتزام به.
أعتقد أن مشكلتنا في المغرب هي أننا لم نقرر قط الاتجاه الذي نريد أن نسلكه. هل نريد البقاء في نظام “واضح-غامض” حيث يكون للأحزاب السياسية مكانة ثانوية في تحديد التوجهات الاستراتيجية للبلد أم أنه يجب علينا أن نتمنى مباشرة الاختيار الديمقراطي. طالما لم نحل هذه المعادلة، ستفقد الأحزاب السياسية جاذبيتها في النهاية.
ثم هناك هذه العادة المزعجة المتمثلة في تكوين أحزاب “طنجرة الضغط” وبالتالي تشويه سمعة الالتزام السياسي. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن أحزاب الحركة الوطنية التي وصلت إلى السلطة سواء أثناء التناوب أو بعد الربيع العربي أصيبت بخيبة أمل.

ماذا نريد؟ هل نريد ممارسة سياسية تقطع نهائيا مع تحكمية المخزن أم سنظل نراوح الخطو بين نضال حزبي منفصل عن التيار العام واسترزاق حزبي يكرس استمرار تمثيلية الهدف منها بقاء الحال بما يفيد استقرار المخزن وتوزيع الريع على المستسلمين والحد من تأثير المثقف الحقيقي بتهميشه والتضييق عليه بطرق متعددة.
لكن البديهي جدا هو أن الإنتماء إلى حزب يساري في المغرب ليس متماثلا، بمعنى أن كل واحد(ة) اختار(ت) الانتماء سياسيا إلى حزب اشتراكي ديمقراطي إلا وتم هذا الاختيار انطلاقا من موقع سوسيوقتصادي ومستوى ثقافي وقناعات معلنة وخفية..
وتبقى قلة تلك المجموعة من المناضلين العصاميين الذين راكموا كفاءات على مستوى التنظيم والتأطير والإعلام بفعل احتكاكهم بالعمل النضالي اليومي وانخراطهم في دينامية الحزب وإشعاعه رغم ما يلف الحياة الحزبية عندنا من غموض.
وليس مستبعدا أن يغضب هؤلاء الفاعلون على الحزب نظرا لغياب الديمقراطية الداخلية أوبسبب تهميش الكفاءات او تبخيس الطاقات، مثلا، ويرحلون عنه ليشتغلوا بنفس الحماس في فصيل يساري آخر له أعطابه واختلالاته هو الآخر، ضامنين بهذه الطريقة الاستمرارية التي بدونها يموت النضال. وهكذا قد نتصور ان الحزب الأصلي أضاع جزء من نخبته، بينما هؤلاء المناضلون أصبحوا ذخيرة للبلاد وجانبا لا يستهان به من قواها الحية..تلك أدوات فعالة جربت النضال في فصائل اليسار المغربي واهتدت إلى إدراك معنى الوحدة في التعدد..
وبكل صراحة، تعتبر الفقرات الثلاثة الأخيرة عماد هذا المقال حيث قمت بكتابتها ونشرها مساء يوم أمس في صفحتي على الفيسبوك، ولهذا تم الترحيب بها من قبل أصدقائي وزاد بعضهم على الإعجاب بفكرتها بأن علق عليها كل حسب نفسه الكتابتي، إن صح التعبير.
فهذا الأستاذ توفيق بوشري كتب تعليقا قال فيه: ” لكن العبارة: (رغم ما يلف الحياة الحزبية عندنا من غموض) تنسف كل شيء خاصة وأنه يتعذر إيجاد أثر حقيقي للاشتغال الحزبي وها أنت ترى انهيار الرؤى والقطيعة مع الواقع والشعب الهائم في التيه”.
ثم تلاه أستاذ صديق اسمه امحمد الشرقاوي بتعليق صاغه على النحو التالي: “فعلا كقطرة ماء تعتقد انها واحدة ووحيدة ولكن عندما تلتحق بالمحيط تصبح هي ذاته ويستحيل بعد ذلك عزلها. إن تشرذم اليسار هو نتيجة اختلاف المنطلقات والرؤى ولكن الفكرة الاساسية تظل حية في جميع التلاوين الحزبية؛ أقصد العدالة الاجتماعية.”

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube