بقلم: عمر بنشقرون، مدير مركز المال والأعمال بالدار البيضاء

في مثل هذا الشهر من سنة 2001، كانت أول رحلة لي إلى بلاد الياسمين لخوض أول تجربة مهنية لي خارج بلادي. وشاءت الأقدار أن تحتضنني بورصة القيم لتونس في مهمة خاصة قصد دراسة إمكانية شراء أسهم شركة وساطة بورصة ماك اس إي من قبل شركة أوبلاين التي مثلتها حينها. تكللت مهمتي بنجاح وتم إبرام صفقة تعد من أنجح مشاريع الإشتراك المتبادل في رؤوس الأموال المغاربية وخلق قطب مالي كبير لقب آنذاك “ماروك انفست كروب”.
هذا البلد، تونس، وإلى الأمس القريب كان يتمتع بالأمن والأمان. وجاءت الثورة من أجل تصحيح الأوضاع المعيشية للتونسيين لكن ذبلت زهرة الياسمين بين أيادي الانتهازيين.
آثرت على نفسي أن أتذكر الماضي وذكرياتي لمدة، لكن حبي لتونس وعشقي لشعبها جعلني أرود عقلي وأقلب ذكرياتي لكتابة هذه السطور.
يشتركُ مغربنا الحبيب مع تونس الخضراء في العديد من الميزات والخصائص. و لا يتردد عاقل في الجزم بأنهما أقرب من غيرهما من بلاد المغرب الكبير إلى التكامل والنماء المشترك. و يشهد التاريخ أن مظاهر التعاون منذ الإعلان عن استقلال البلدين في ربيع 1956 والعلاقة الأخوية التي جمعت قادة الدولتين مكنتا من بناء مجتمعين تقدميين منفتحين عكس باقي مجتمعات المنطقة المغاربية.
و التقاربات بين سياسة البلدين وصمود كلاهما أمام الأعاصير التي ألمّت بكيانيهما على مراحل متتالية في التاريخ، جعلهما يحافظا على وجودهما كدولتين، لهما استقلالية عضوية، واستمرارية رمزية.
وعلى الرغم من الانكسارات التي تعرض لها البلدان، فإنهما لم يفقدا وحدتهما العضوية واستمراريتهما التاريخية، خلافا لبقية بلاد المغرب، حيث انمحت الدولة، أو كادت أن تنمحي، كما حصل على سبيل المثال للجزائر، أو ليبيا التي توزعت إلى ولايات متناحرة على أساس قبلي و عشائري. لذلك، يشكل استمرار الدولة في التاريخ عامل تفسير بالغ الأهمية لفهم المعوقات التي تحول بينها وبين تحقيق مشروعها في البناء.
و حيث أن “الدولة مُربية المربين”، بتعبير المؤرخ عبد الله العروي، فقد عانت – وما زالت تعاني – البلدان المغاربية، فاقدة الوحدة العضوية والاستمرارية التاريخية لدولها، من مقومات مراكمة ثقافة سياسية قادرة على امتلاك ثقافة سياسية متوازنة، تمكنها من تدبير أمور مجتمعاتها باعتدال ووسطية، وبناء علاقتها مع جوارها وفي علاقتها بالعالم بعقلانية وإيجابية وتغليب التعاون والعمل المشترك على التنافر والفرقة.
و ظلت العلاقات المغربية التونسية عل مدار الستة عقود التي أعقبت استقلالهما الوطني موسومة بالاستمرارية الإيجابية، والتعاون المثمر في الكثير من المجالات، والتعاضد الصادق كلما دعت الظروف إلى ذلك. بل إن السائد في المخيال الجماعي المغاربي أن “التوانسة”، بحكم تركيبتهم النفسية والإجتماعية والثقافية، أقرب إلى أشقائهم المغاربة منهم لإخوانهم في المجتمعات المغاربية المجاورة، وإن كانت تربطهم جميعا أواصر الدين، واللغة، والإمتداد التاريخي والجغرافي، والمصير المشترك.
فبإطلالة على واقع العلاقات المغربية التونسية، تفيد المعطيات أن المغرب يحتل المرتبة الثالثة مغاربيا وعربيا من حيث شراكته مع تونس، بحجم تبادل تجاري قُدّر عام 2019، أي قبل أزمة كورونا، بـأكثر من 10.1 مليار درهم مغربي. والحال أن البلدين معا مطالبان بتعميق علاقاتهما الإقتصادية والتجارية للوصول إلى معدلات تبادل أعلى مما هو عليه الحال، وبمقدورهما القيام بذلك طالما أن علاقاتهما السياسية مدعومة برصيد تاريخي من علاقات الأخوة والتعاون المشترك. ولعل اللقاء الأخير للسيد ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون ببلدي مع السيد الرئيس قيس سعيد بقصر قرطاج سيدفع قدما بالعلاقات المغربية التونسية إلى دفعة أكبر وأعمق. وأظن أنه و لتعزيز هذا الأفق، يمكن التفكير في رابط بحري مباشر بين البلدين لتيسير انتقال البضائع والأشخاص ورؤوس الأموال. كما يمكن إقامة مؤسسات لبلورة المشاريع المشتركة، من قبيل الغرف التجارية، وأجهزة الاستثمار المشترك.
وللتدليل على أهمية التفكير الجدي في تطوير العلاقات الثنائية، نُشير إلى أن نسبة التبادل التجاري بين البلدين لا تتجاوز 3 في المئة من إجمالي تبادلات البلدين مع الخارج، وهو ما يبين ضعف التبادل التجاربي المغربي التونسي، غير البعيد والمتشابه مع باقي الدول المغاربية.
فلماذا تتجه تونس إلى الحياد في موضوع سيادتنا على أراضي أقاليمنا الجنوبية؟
لا بد من التذكير أن الموقف التونسي منذ الميلاد الأول للأزمة كان محايدًا، لكنه ضارا بعلاقاتنا الثنائية و إصرارنا على ضرورة مساندة تونس لسيادتنا على وحدتنا الترابية سيعزز دون شك في الدفع قدما إلى رفع مستوى التعاون بين بلدينا آملين في أن تسهم تلك السياسة في إكساب الرؤية الصحيحة لحل الأزمة المفتعلة زخمًا إفريقيًا يعترف بمغربية الصحراء ويساند رؤيتنا في منحها حكما ذاتيا.
وانطلاقًا من هذه السياسة، يبدو واضحًا أن مغربنا الحبيب بدأ يرمي إلى دفع تونس نحو تغيير موقفها من القضية وجعله موقفًا مساندًا لرؤيتنا على الساحتين الإفريقية والدولية، في إطار اتباعنا سياسة “تكميلية” لانفتاحنا على إفريقيا. ولعل النجاح الأخير لدبلوماسيتنا في فتح قنصليات دول إفريقية في كل من الداخلة والعيون مؤشر من شأنه ثني تونس عن موقفها المحايد و غير المعقول.
أما فيما يخص الجزائر، فهي دولة ذات نظام حكم جمهوري وتوجه ثوري ترى في ضم اقاليمنا الجنوبية تشجيعًا على المطامع المزعومة “التوسعية الاستعمارية للمغرب” و تلك هي عقدة النظام الجزائري التي تخنقه: تمدد و توسع المغرب بطلب ضمه لأقاليم الصحراء الشرقية.
إلى جانب هذا الصراع الحدودي، هناك صراع أيديولوجي يكمن في كون الجزائر دولة ذات نظام ثوري أما مملكتنا الشريفة ترى في الجزائر والى حد الآن دولة تشكل خطرًا على مصالحنا الاستراتيجية بسبب دعمها لجبهة البوليساريو من منطلق محاربة نظامنا الملكي. وفي ضوء هذين الخلافين، يعيش الطرفان على صراع ترجيح كفة ميزان القوى في إقليم المغرب العربي لصالحه. ولعل انطلاقًا من ذلك، يرغب المغرب في الضغط على تونس لضمها لصالح رؤيته، وبالتالي ترجيح الكفة لصالحه دون أن ننسى أن خياد تونس في الموضوع راجع الى:
ـ مراعاة علاقاتها مع الجزائر: تربط تونس والجزائر حدودًا طويلةً، وعلاقات تجارية متنوعة، وأخرى دبلوماسية متينة. و هدم حيادية تونس حيال القضية من شأنه أن يعرض هذه العلاقات للتوتر في وقتٍ هي في غنى عن ذلك.
و في الأخير، أود البوح بما جرى إثر لقاءي بأحد أعضاء الأسرة الحاكمة في تونس آنذاك عندما قال لي حرفيا: تنتهج الدول الملكية أحيانًا سياسة التوجيه انطلاقًا من الروح السيكولوجية التي تتمتع بها والتي تجعلها ترى أن من حقها توجيه الجميع، ركونًا إلى الزعامة التاريخية الدينية “الثيوقراطية” التي تملكها، ولكن في عصرنا الحالي، لا بد من تذكير هذه الدول أن الزمن قد عفى على هذه السياسة. وجوابي كان حينها : نظامنا الملكي في المغرب لا يوجه سياسة الدول بل يستقطبها ولا مطامع له توسعية ولا استعمارية بل قادر على احترام الشعوب و تقرير مصيرها.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube