تفريغ وتقديم : مصطفى الزِّيــن

تقديــم :

كنتُ ، في غمرة ما مر من مواجهات ،قبل أيام بين مقاومة الشعب الفلسطني الشجاعة ،و مواجهة غزاته الصهاينة الإسرائليين ؛ كنت أستشعر مدى خزي المساومين المطبعين واستخذائهم الى حين اتفاق وقف إطلاق النار. ولكني كنت أعرف أنهم سيخرجون سريعا ليقرعوا قيادات المقاومة ، وينعتونها بالتهور والجهل والتبعية أو العمالة، ويحملونها تبعات ومسؤولية ما تساقط من أرواح الفلسطينين المحاصرين، وما تساقط من مباني..و يستهينون بأسلحتها صواريخها ومدى إضرارها بإسرائيلهم، فينادون بالسلام والحوار وبسماع صوت حكمائهم انتظارا وتعويلا على رحمة الغزاة من جديد.. وكذلك كان..هاهم يخرجون علينا ينفثون سموهم البيضاء، يلومون ويقرعون ،ويخونون ويسفهون..ويدعون صوت العقل والحكمة ومسالمة الغزاة.. ولم أجد أفضل خطاب يمكن أن يملأ أفواه هؤلاء بالماء ، أو بالتراب، من هذا الخطاب /البيان ،أو الوصية ، من تميم البرغوثي جاءت في شكل ڤديو /أوديو مرفوق بالكتابة ،عملت على تفريغه نصا أو مقالة وتقديمها: حبذا لو أنصتوا إليها ، فوعَوْها ، وأدركوا طبيعة من يستمرئون التطبيع معه، ومعطيات المواجهة ؛جغرافيتها وديموغرافيتها ،وميزان القوى.. في المواجهة ، اليوم ، على أرض فلسطين التاريخية بين الشعب الفلسطيني وغزاته الظالمين المغترين بالقوة والعنف والإرهاب. إنه ليس خطابا صحفيا (كوبي كولي) ، ولا خطاب فاعل سياسي متورط بالإديولوجيا والمصالح..؛ ولا هو خطاب متخصص أكاديمي استراتيجي بارد ، ولكنه خطاب رجل فلسطيني مصري ملسوع بطول المعاناة ، إنه خطاب تميم البرغوثي (مزداد بالقاهرة سنة 1977) الشاعر ، ابن الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي(1944- فبراير2021)- صاحب السيرة الروائية الرائعة : “رأيت رام الله ” – من المصرية الروائية الناقدة الأكاديمية رضوى عاشور(1946-2014) . وتميم ، فوق كونه شاعرا ،فهو أستاذ علوم السايسة متخصص، درَّس بجامعات بمصر وألمانيا وأمريكا، وعمل خبيرا بالأمم المتحدة..، لا يطلق الكلام على عواهنه، ولا يستعمل لغة الخشب الميت ، ولا لغة الإنشاء من دون رصيد .. للمساومين ،مسفهي المقاومة ،أقول : اسمعوا هذا التحليل الملموس للأرض الملموسة ، وإن كنتم سترمونه وراء ظهوركم ؛ لأن الشفاء من جرثومة التطبيع والخيانة شبه ميؤوس منه. وللمقاومين ؛ لغيرالمساومين ،أقول : خذوا خطاب تميم ووصيته تُرياقا من سموم المساوين المطبعين ، اعرضوا ما تقرأون لهم على حقائق ودقائق هذ الخطاب الصادق البليغ ،وإن جاء مؤطرا بسواد الفقد و حِداده على رحيل والده قبل شهرين بالكاد . ——————————————— تفريغ ڤيديو/ أوديو: خطاب (وصية) تميم البرغوثي “اليوم، الخامس عشر من أيار/مايو 2021 ،نشبت الحرب، أو هذه الجولة منها ، وأنا في حالة حداد شخصي تعرفونه ، وقد أصبحتُ من أزهدِ الناس في العيش ، وأرغبهم في الغياب ، وأعرَفِهم بالفقد، وأدراهم بأن الناصح أو الطبيب ،إذا جهل أو فشل ، فقد أجرم ؛ لأنه يُعرِّض الناس لخطر رأيه ، وهو آمن من عواقبه ؛ لذلك فأنا لا أقول ما أقول في لحظة تحمُّس عابرة أثناء اشتباك ليس الأول ، ولن يكون الأخير ؛ أنا مدركٌ لثقَل ما سأقول ، بل أجرؤ على قوله تحديدا ،لأنني مدرك ثِقَلَه..قولي ثقيل لأن في قولي دماً..وغالٍ وعالٍ هو الدم. وأنا أتحمل مسؤولية قولي هذا اليومَ وغدا ، حيّاً أو ميتا ؛ بل هو شهادة ووصية ؛ فمن شاء فليحفظ عني: أيها الناس ؛ إن تحرير فلسطين ، كلِّها من البحر إلى النهر ، موضوعيا وواقعيا ، ممكنٌ ؛ لا أقول إنه سهل ، ولا أقول إنه حتمي ؛ ولكنه ممكن ؛ وهو ممكن في هذا الجــيل ؛ وهو ممكن ، لا بجيوش تشتري سلاحها من عدوها ، بل بمقــاومة شعبية مستمرة ومتراكمة ، كالَّتـي تجري الآن . واصبروا عليَّ بضع دقائق أبينْ كيف : إن في إسرائيل نظامَ حكمِ فصلٍ عنصري ، يفرِّق ما بين الناس على أساس الديـن ؛ هي الدولةُ الوحيدة على وجه الأرض التي تعطي الجنسيةَ على أساس الدين الموروث ؛ فأنت إذا ذهبت إلى مطارٍ بباكستان ، مثلاً ، وقلت لهم: أنا مسلم، فإنهم لن يعطوك جواز سفر ؛ وإن ذهبتَ إلى مطارٍ هندي ، فقلت لهم أنا هندوسي ، فلن يعطوك جواز سفر ..؛ ولكن يكفي أن تكون يهوديا ، أو أمك يهودية ، فتذهب إلى مطار بنغوريون ، وتصبح مواطنا إسرائيليا، وتقدر أن تسكن بيتا طرد منه أهله ، أو سرقتْ أرضه من مالكيها. هذا النظام هو الذي أدى إلى أن الفلسطينيين بين شريد أو شهيد ، لا لشيء ؛ إلا لأنهم ولدوا في هذه الأرض ؛ ولأن دين أمهاتهم لا يعجب ظابط حدود مراهق ، أتى أهله من شرق أوروپا بالأمس القريب . وهذا النظام العنصري يحكم حياة الفلسطينيين كلهم ، داخل فلسطين أو خارجها ؛ وإسقاطه يعني تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر ، وتحرٌّرَ كل الفلسطينيين ، أينما كانوا في هذا العالم. وإن مواجهةً شاملة بين الكتلتين الديموغرافيتين في فلسطين التاريخية بين أهل البلد وغزاتهم ، لكفيلةٌ بإسقاط هذا النظام . وكان يمكن لهذه المواجهة أن تكون مدنيةً ، كالحركات المضادة للفصل العنصري في كثير من البلدان ، لو كان حكام إسرائيل عقلاءَ وبعيدي النظر ؛ ولكنها تتخذ شكل سلسلة طويلة من الصدمات متزايدة العنف ، متسعة الرقعة كالتـي تجري الآن ؛ لأن حكام إسرائيل لا يزالون قصار النظر مغرورين ، والسلاح يُغري.. إن أعداد الفلسطينيين العرب ، ما بين البحر والنهر ، تزيد على أعداد اليهود من حَمَلة الجنسية الإسرائيلية بأكثر من مائة وستين ألفا (160.000) نسمةً ، اليوم ، حسب إحصاءين رسميين : إسرائيلي ، وفلسطيني ، والفرق مرشح لأن يزداد لصالح الفلسطينيين في العقدين القادمين . ثم إن المواجهة لا تكون مع طائفة بأسرها، بل مع من يؤيد نظام الفصل العنصري منهم ، وهم أقل عددا من طائفتهم بالضرورة، والفلسطينيون أصغر سنا وأقل مالا ، ما يجعلهم أشد خطرا .وقد حاولت إسرائيل مداواة ذلك بأمرين اثنين : بتقسيمهم ، وتركيز أقسامهم في بؤرٍ ضيقة ومنعزلة ، أولا ؛ وتسليط بعضهم على بعض ثانيا ؛ فقسمتهم إلى أهل ضفة ، وأهل غزة ، و قدس ، وأهل داخل ، ثم قسمت الضفة ثلاثة أقسام ، أسمتها : ألف ، وباء ، وجيم ؛ ثم فصلت مدن الضفة بعضها عن بعض ، ثم حاولت احتواء الفلسطينيين بالفلسطنيين ،باتفاقات سلام ، وتنسيق أمني ، وارتهان اقتصادي ، ومع كل مواجهة جديدة ، تزول هذه التقسيمات ، وأنت ترى غزة تنصر القدس ، وترى اللد والجليل والضفة تنصر غزة ، بل إن اللد كادت تحرر نفسها بنفسها ،كذلك فإن كل مواجهة جديدة لا تحرج الاحتلال فحسب ، بل تحرج كل سلطة تسالمه. الشعب ليس في حالة سلام ، فإن أرادت أية سلطة أن تسالم ، فإنها لا تحكم إلا على موظفيها . وإن كانت الجيوش العربية تشتري سلاحها ممن يسلح إسرائيل ، فإن الفلسطينين لا يشترون الحجر والصاروخ ، بل يؤلفونه تأليفا . وإن استقلال السلاح شرط استقلال الوطن ، ولا يمكن تحرير أرض بسلاح مرتهن . وإن كانت بعض الحكومات العربية تحاصر المقاومة الفلسطينية ، فها أنت ترى أنها قادرة على تطوير سلاحها رغم الحصار ، ثم إن المواجهة العامة بين الكتلتين الديموغرافيتين المتداخلتين ، كالفلسطينيين وغزاتهم ، تحرم إسرائيل من ميزتيْها العسكريتين : سلاح الجو ،والسلاح الغير تقليدي ؛ فإن كانت إسرائيل تقصف غزة ، فانها لا تقدر على قصف القدس واللد ويافا وحيفا والجليل ، حيث يختلط الجمعان ، بل ستضطر لاستخدام الشرطة، ثم لا يكفي أفرادها ، فتستعين بالجيش ، وكلما عززت جبهة أضعفت أخرى.. وحتى غزَّة ، فإن إسرائيل لم تقدر على قصف مطول فيها إلا بعد أن أجلت مستوطنيها منها ، وقد قصفتها عام 2008 ، و 2012، و 2014، ولم تغير شيئا ، وإن أعادت احتلالها ، فقد احتلتها أربعين عاما من قبل ، ونبتت المقاومة على الرغم من الاحتلال . إن تراكم المواجهات وتنوعها يشكل ضغطا على النظام السياسي العنصري حتى يتغير ؛ بمعنى أن البلد لن يكون قابلا لأن يُحكم ، وأكثر من نصف البشر القاطنين فيه لا يطيعون حكامه ، بل يعصونهم بكل طريقة : من الرسم على الجدران ، إلى الإضراب ،إلى المظاهرة، إلى الحرب . وهم ، مع ذلك ، يزيدون كل عام ، بل كل ساعة.. والدولة التي أراد لها مؤسسوها أن تكون مأمنا ، لم تعد كذلك ، ولم يعد يهاجر إليها أحد ؛ لأنهم آمنُ حيث هم منهم إذا هاجروا إليها ، فالظلم خطر على الظالم ،بقدر ما هو خطر على المظلوم. مرة أخرى ، نتنمنى أن نحصل على حقوقنا بلا عنف ، الذي نحن أكثر ضحاياه . لكن ، إذا فرضت علينا الطائرات الحربية الموت ، في مواجهة شاملة ، أو في سلسلة من المواجهات ، فلا بد أن نهمس في آذان قاتلينا بأن راهن المنطقة الأليم يبين ما للحرب الناشبة بين جيش نظامي ومقاومة شعبية ، أو للحرب الأهلية بين طائفتين ، من قدرة تدميرية تفوق الحروب الكلاسيكية ، وإن كان الكل في هذا النوع من الحروب ، يخسر ما عنده ، فإن من عنده أكثر يخسر أكثر. هنا : يهزم القوي ،إن لم ينتصر ، وينتصر الضعيف إن لم يهزم . ويجب أن نذكر الطيار المتحمس لقصفنا أن إسرائيل لم تنتصر نصرا حاسما، في أية معركة خاضتها منذ عام 1967 ؛ فهي لم تنتصر في حرب الإستنزاف عام 1968 ، ولا في حرب 1973 ، ولا حين غزت لبنان عام 1978 ، خرجت منه ، وحين اجتاحته عام1982 ، بذريعة تأمين الجليل، فإنها لم تزد على أن أحلت محل السلاح الفلسطيني سلاحا لبنانيا يتجاوز مداه الجليل، حتى يصل مداه النقب ، وفشلت في حملاتها على لبنان عام 1993 و1996 و 2006 ، وعلى غزة عام 2008 و2012 و2014 ، وهاهي تفشل اليوم . وإن فكرتَ في الأمر : فإن إسرائيل ، منذ أكثر من خمسة وخمسين سنة ، لم تحز أرضا إلا ممن سالمها ، حيث ازداد الاستيطان في الضفة الغربية ثلاثة أضعاف ،بعد توقيع اتفاقية أوسلو . إن إسرائيل جعلت مسالميها والمتعاونين معها عبرة وأضحوكة ، وجعلت مقاومتها ضرورة لا بد منها ؛ وعليه، جاز القول ،أمس واليوم ، إن المقاومة ، بمفهومها المجرد ، هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني . أقول إن التحرير ممكن. وهو ممكن ، في هذا الجيل، لكنه ليس حتميا ؛ تقربه المقاومة ، وتبعده المساومة ، والخيانة والتطبيع والديكتاتوريات والحروب الطائفية في إقليمنا. فليعلم كل من يؤيد الطغاة والمطبعين أنه بمثابة مقاتل في الجيش الإسرائيلي ؛ يطيل عمر الغزو ، ويقصر أعمار أحبابنا ، ولكن هذا حديث آخر. هذا الكلام لن يكون مهما بعد عدد من السنوات ، حين يتحرر العباد والبلاد ؛ فإذا كان ذلك اليوم ،فتذكر الأغاني ، وانس السياسة ؛ فالحروب تأتي وتذهب ، وكم مرة ، قبل زمانك هذا ، غُزِيتْ بلاد ، ثم تحررت ، ثم نسي أمر غزوها وتحريرها. أما الآن ، وذلك الجندي المراهق يجبر الملايين على العيش تحت سقوف الصفيح ، وعلى البكاء على أحبابهم ، فحسب لأن دينهم ، أو لأن لون أعينهم ،لا يعجبه ؛فانه أمر قبيح ، ولا تحتاج أن تكون من ضحاياه لتدرك قبحه ، لذلك ، تذكر هذا الكلام ، وكلما قال لك أحدهم : إن المقاومة عبثية ، قل لهم إن الماضي والحاضر يشهدان أن الظلم هو العبثي . وأدري أن الصبر مرّ ، بل أنا ،اليوم، من أدرى الناس بمرارته ، ولكن ، اصبِرْ تَنَلْ ؛ فلستَ أول من صبر فنال ، ولا أول من قاوم فانتصر . تميم البرغوثي