أحمد رباص – حرة بريس

انتهت الحلقة الخامسة من هذه السلسلة بفكرة مفادها أنه من خلال الاتجاهات السائدة في العقليات في بلد ما يمكن أن نستنتج طبيعة القوانين السارية، والطريقة التي تطبق بها هناك. غير أن طغيان الميل بجنون العظمة لبناء القلاع وعبادة المال يجعلنا نقول في قرارة أنفسنا إننا نعيش، أو نسقط دون أن نعلم في Timocratie أو (*) Timarchie، الكلمتين اللتين يعيّن بها أفلاطون “حكومة الشرف”.
مثل هؤلاء الرجال سيكونون جشعين لمزيد من الثروات؛ سوف يكنزون بشراسة، في جنح الظلام، الذهب والفضة، سيكون لديهم متاجر وكنوز خاصة، حيث يحتفظون فيها بثرواتهم الخفية، وكذلك مساكن محاطة بالأسوار، أعشاش خاصة حقيقية، فيها سينفقون بشكل كبير على النساء وعلى من يرونه مناسبا.
على الرغم من أن السياق الخاص الذي حصل لديه فيه الحدس بعيد عن السياق الذي نعيش فيه بمسافة زمنية تقدر بخمسة وعشرين قرنا، بيد أن أفلاطون يتحدث إلينا مع ذلك باعتباره معاصرا مستبصرا. أفكاره قديمة تاريخياً، لكنها ليست قديمة من الناحية الفلسفية.
نفهم لماذا تحدث رايمون آرون عن تجانس الماضي والمستقبل. لأن الأحداث الراهنة هي نفسها تاريخية والفيلسوف الذي يفكر قي الأحداث الراهنة لا يفكر فقط لمعاصريه، ولكن أيضا للأجيال القادمة.
لكن هل يمكن لهذه الأفكار التي تقاوم صحتها التاريخ أن تؤثر على التاريخ؟ المستقبل، الذي يتم احتواؤه في الحاضر بنفس طريقة احتواء الأخير في الماضي، أي بطريقة غير محددة، موضوع أحكام إشكالية وليس تأكيديا أو تصوريا، فربما يكون مدينا للفلسفة؟
يمكننا الإجابة على هذا السؤال من خلال المثال الدال لديكارت، المفكر في الفكر. معه حدثت ثورة كوبرنيكية حقيقية. فمن خلال إعادة تأهيل الفكر ومعه الإنسان، فسح ديكارت فكريا المجال لعصر التنوير، الذي لا يزال يُطلق عليه قرن العقل. ماذا كان سيحدث لو لم يشرع فكريا في تخويل الإنسان حقه في التفكير، إذا لم يكن مقتنعا بأن التفكير ليس حقا فحسب، بل واجبا أيضا؟
كان ديكارت، بلغة كانط، هو الذي على يده نجحت فكرة أن الإنسان لن ينتصر إذا لم يجرؤ على استخدام فهمه دون مساعدة الآخرين، وإذا لم يخجل من تقبل وضع قاصر أو حالة تحت الوصاية. من خلال إعادة تعريف الإنسان بالفكر، أي من خلال القدرة على الحكم جيدا وتمييز الصحيح عن الباطل بدلاً من الإيمان، من خلال تحقيق هذه العودة إلى الكوجيتو بطريقة حاسمة، وضع ديكارت الأساس الرئيس للحداثة التي تتباطأ أفريقيا في الدخول إليها.
مع ديكارت، يبدو أن المعرفة العقلانية وليس الإيمان هي التي تنقذ، وأن الإنسان لا يستطيع أن يخلص نفسه بالثقة في الحيل مثل التعاويذ والصلوات، بالاعتماد على المعجزات. فإذا كان الله موجودا بالفعل، فقد أعطى الإنسان مرة واحدة وإلى الأبد وسيلة واحدة فقط لإنقاذ نفسه: الفكر. سيحدث تكريس الفكر، وبالتالي الإنسان، مع عصر التنوير الذي يتحدث الغربيون عنه اليوم بفخر مبرر. لو لم تتحقق هذه الثورة الفكرية، لما كانت الثورة الأمريكية، ولا الثورة الفرنسية، ولا الثورة الصناعية.
لذلك يمكن للفلسفة، من خلال أفكارها، تحديد المستقبل. يوضح المثال الديكارتي أنه يجب عليها ذلك؛ ولكن، من الناحية المنطقية، يمكن أن يكون لها تأثير ضار على المستقبل، لأن من يستطيع أن يفعل الأفضل هو أيضا قادر على فعل الأسوإ. من الممكن جعل الأسباب السيئة تنتصر، لخلق تأثيرات ضارة أو فرض القصور الذاتي، في أي حال لتأخير التقدم عن طريق تعميم الأفكار السيئة، مثل الكراهية والخرافات.
لذلك، هل يجب أن نسمي “فلسفات” المذاهب التي تنشر الخرافات والكراهية، أي الإيمان بالمعجزات وكراهية العقل التي يخفيها البعض تحت العنوان النبيل “العقل الجمعي”، مع وجود “عقول” مختلفة جدا لدرجة نتساءل معها عما هو القاسم المشترك الذي بفضله يتم تعيينها بنفس الكلمة؟
تصرح السيكولوجيا المتعالية لمينراد هيبغا، الذي يكون خطأه بالتأكيد أقل من ذلك الذي تم دحضه في “نقد العقل الخالص”، بمعتقدات خرافية شائعة جدا، بحيث يمكن لنا أن نتساءل عن نصيبها من الفلسفة بشكل صحيح عندما تكتفي بإعادة تأهيل الرأي؛ اي المعرفة عن طريق الكلام والسماع، على جميع المستويات.
هذه “الفلسفة”، بما أنه من الضروري بالتالي الاستسلام لتسميتها كذلك بسبب المكانة المهنية لمؤلفها، تقوم على المبدإ السفسطائي للمفهوم “الثلاثي” حول المركب البشري، على الإيمان بـ “الظواهر الخارقة”، وعلى الفكرة المتعالية لـ “الذات الخارقة”، المعادل المتسامي لـ “الروح” كمادة في السيكولوجيا العقلانية المستوحاة من وولف والتي، من جانبها، كانت لها ميزة فلسفية تمثلت في استعارة دقة الرياضيات.
في الحقيقة، يبدو أننا نتعامل هنا في الواقع مع عقيدة – مشبعة بمعرفة وتعد الثقافة الفلسفية أحد مكوناتها – لما يسمى بـ”طارد الأرواح الشريرة” الذي يبحث عن زبناء “يخلصهم” من المارد ويحميهم من “السحر”. هنا تتم مداعبة الخرافات باتباع اتجاه الزغب؛ والقارئ الساذج، الذي تأثر بالحيل المعقدة مثل اللاتينية والمعادلات الرياضية والفيزيائية الملحقة بالكتاب والتي لا علاقة لها بجسد النص، كان مفتونا بها حرفيا، غير قادر على إلغاء الشك في ما حصل عليه منذ طفولته من أفضال “السحر”.
لم يشك “المعلم” نفسه في الآثار الضارة لعقيدته على “تلاميذه”. استحوذ على أحدهم الاعتقاد الخرافي، وأعلن أنه “طارد للأرواح الشريرة”، معتبرا المثلية الجنسية ممارسة شيطانية من خلالها يفرغ “الساحر” شريكه البريء من “الفرص” التي منحت له ويمتلكها لحسابه.
وهكذا بدأ في الانغماس مع طلابه في طقوس الشذوذ الجنسي، مقتنعا أنه بذلك يزيد من رأس مال “فرصه” لتسلق سلم المجتمع.
تلميذ آخر، يدعو إلى أن الإنسان يجب أن يقتحم دائرة باطنية ليصبح روحا عظيمة، يتجاهل هذا العنصر، المهم عند “معلمه”، وهو ، وفقا للأخير، أن الدوائر الباطنية، المسماة “نحلا”، هي كنائس شيطانية، مما يساهم بشكل واضح في شيطنة أي شخص ينتمي إليهم أو يشتبه في انتمائه إليهم.
هذه العقيدة، التي مبدعها “كاهن طارد للأرواح الشريرة” و “فيلسوف”، تقدم ضمانة مهمة لممارسات رجعية مثل مطاردات الساحرات.
إن المعجبين بالسيكولوجيا المتعالية هاته لا يدركون التناقضات، الثغرات، المغالطات والقياسات الفاسدة في عقيدة الأب هيبغا. وحتى لا يضطروا إلى “مضاعفة عبثا ودون ضرورة” الجواهر، يقرر أنه بالنسبة للأفارقة، للمركب البشري ثلاث حالات، بينما، وفقا لأبحاثه الخاصة، في العديد من الثقافات الأفريقية، نجد تصورات لأربع أو خمس أو ست حالات.
لا يقول الأب هيبا من جهة أخرى ما إذا كانت المفاهيم “الأفريقية” لأكثر من ثلاث حالات خاطئة، أو ما إذا كان مفهوم “المركب البشري” يطرح مسالة ثقافية بسيطة. بدلا من ذلك، ينقل خلسة النتائج المشكوك فيها لبحث إثنوغرافي إلى دعوة إيمانية ميتافيزيقية. كان هو الذي، من أجل قضيته الميتافيزيقية، قدم خلسة مفهومه عن “المركب البشري” في “الثقافة الأفريقية”. هذه هي العملية الفلسفية الإثنية التي أطلق عليها مارسيان توا “الرجعية”.
إنما العقلانية على أية حال هي التي طورت البشرية – العقلانية من النوع الديكارتي والكانطي. وكما يوضح رايمون آرون، من الصعب تخيل العالم اليوم إذا لم يكن قد تميز بالدقة والأفكار المثمرة لمفكرين مثل كانط.
لن نتساءل عما إذا كان من الممكن ان يتغير شيء لو لم يكن كانط موجودا أو مات قبل خمسين عاما. لن يؤلف “نقد العقل الخالص” وسيكون الشعور بالنقص في حد ذاته حتميا. أما السؤال عما إذا كانت الأمور ستعود بنفس الطريقة في النهاية، فيمكن، من الناحية النظرية، طرحه. لكنه قليل الأهمية لأنه في غياب ‘نقد العقل الخالص”، هل يمكننا تصور الأفكار التي هي اليوم جزء لا يتجزأ من عالمنا؟
(يتبع)


(*) ينطوي هذان المصطلحان على نفس المعنى وهو نظام سياسي يبحث فيه الماسكون بالسلطة قبل كل شيء عن كل ما هو ثمين وذو قيمة ويعشقونه.