*كلمات* .. في الحرب .. هل هي على إيران أم على الأمة كلها ؟

*ومضات على “إسرائيل الكبرى” .. والولايات المتحدة الإبراهيمية*
أحمد ويحمان
× لم يكن الجدل الذي تفجّر عقب حوار السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني مايك هاكابي مع الإعلامي تاكر كارلسون مجرّد سجال دبلوماسي طاريء ، ولا هو مجرد زلّة لسان يمكن احتواؤها ببيانات التنديد. فحين يصرّح ممثل الخارجية الأمريكية، أي المعبّر الرسمي عن توجهات البيت الأبيض في السياسة الخارجية، بأن للكيان الصهيوني “حقًا توراتيًا” في الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، فنحن لا نكون أمام رأي شخصي، بل أمام كشف صريح عن عقيدة سياسية حاكمة. صحيح أن الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي سارعتا إلى إصدار بيانات إدانة، وهي بيانات ضرورية من حيث المبدأ، لكنها تبقى قاصرة إن لم تُطرح الأسئلة الجوهرية :لماذا قيل هذا الكلام الآن؟ ولماذا بكل هذا الفجور ؟ وما الذي تغيّر حتى يُقال، ما كان يُقال سابقًا همسًا، بكل هذا ” الفضوح ” ؟ إن الجواب، في نظرنا، يوجد في السياق، لا في التصريح نفسه. نحن أمام مشروع متكامل تم التعبير عنه في دراسات ونقاشات ” الثنك ثانك ” في مراكز البحث وكبريات الجامعات الأمريكية، وعلى مدى عقود، ب *“الولايات المتحدة الإبراهيمية”،* ليس بوصفه فكرة ثقافية أو دينية، بل كـإطار جيوسياسي جديد يشكّل أحد الأعمدة المركزية لما يُسمّى “الإبراهيمية” باعتبارها برنامج عمل للبيت الأبيض، بعض النظر عن ساكنه، جمهوريا كان أم ديمقراطيا . في الولاية الأولى لـ دونالد ترامب، جرى التركيز على البعد الاقتصادي لهذا المشروع عبر ما عُرف بـ “صفقة القرن” : تصفية القضية الفلسطينية، دمج الكيان الصهيوني في المنطقة، وتفكيك الدول والمجتمعات تحت عناوين السلام والازدهار. لم تكن الصفقة مجرد مبادرة سياسية، بل خطة لإعادة هندسة المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا وهوياتيًا. ومع إدارة جو بايدن، لم يتغير جوهر المشروع، بل تغيّرت لغته وأدواته. ثم جاءت عودة ترامب لتعيد الأمور إلى منطقها العاري : لغة القوة والعنف، والخرائط، والتصريحات الفجّة. وفي هذا السياق بالذات، لا يمكن التعامل مع ما يُروَّج له تحت مسمّى “مجلس السلام” إلا بوصفه آلية قيادة سياسية للمشروع نفسه، لا مبادرة دبلوماسية مستقلة. فمجلس يُقدَّم برئاسة دونالد ترامب، راعي الإبادة الجماعية في غزة وعضوية مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، لا يمكن أن يُؤسَّس لصناعة السلام، بل لإدارة الحروب وتسويق نتائجها. إننا أمام محاولة لإعادة تعريف مفاهيم القانون الدولي، بحيث يصبح العدوان “سلامًا”، والتوسع “أمنًا”، والتطبيع شرطًا للنجاة، في إطار مؤسسي يمنح المشروع الصهيوني–الأمريكي غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا زائفًا لإعادة رسم خرائط المنطقة وفرض “الولايات المتحدة الإبراهيمية” كأمر واقع. في هذا الإطار، تكتسب الحرب على إيران معناها الحقيقي. فهي ليست فقط بسبب برنامج نووي، ولا بسبب “سلوك إقليمي”، بل لأن إيران تمثل العقبة المركزية أمام الانتقال إلى المرحلة التالية من المشروع : مرحلة فرض “الولايات المتحدة الإبراهيمية” بالقوة، بعد إسقاط كل من يرفض الخضوع.لكن إيران ليست الهدف الوحيد.فـ تركيا بدورها مدرجة ضمن بنك الاستهداف، وإن بأدوات مختلفة وتوقيت مدروس. فالمحاولة الانقلابية سنة 2016 ضد الرئيس رجب طيب أردوغان لم تكن حدثًا داخليًا معزولًا، بل لحظة كاشفة لحدود المسموح والممنوع. وحين فشل الانقلاب العسكري، جرى الانتقال إلى الحرب الاقتصادية: استهداف العملة، الضغط على الأسواق، ومحاولات التطويق السياسي.واليوم، يتصاعد في الخطاب الصهيوني والإعلامي الغربي الحديث عن ما يُسمّى “محور الشر التركي–القطري”، في إعادة واعية للغة الشيطنة، تمهيدًا للعزل والاحتواء ثم الإخضاع.ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال باكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك قنبلة نووية خارج الوصاية الغربية. فهذه الحقيقة وحدها كافية لتفسير حجم الضغوط الهائلة التي تعرضت وتتعرض لها. وما جرى مع رئيس وزرائها السابق عمران خان ليس سوى نموذج صارخ: ضغوط سياسية، تآمر داخلي مدعوم خارجيًا، إسقاط حكومي، ثم زجّ بالسجن، لأن الرجل تجرأ على تبني خطاب سيادي، ورفض التموضع الكامل داخل المحور الأمريكي، وأعلن مواقف مستقلة من فلسطين ومن الحرب في أوكرانيا.القاسم المشترك بين إيران وتركيا وباكستان – مع اختلاف السياقات – هو رفض الخضوع الكامل، وامتلاك عناصر قوة أو قرار، أو السعي إلى ذلك.وهنا تتكامل الصورة.قوة عسكرية أمريكية تحشد الأساطيل في البحار والممرات الاستراتيجية،عقيدة توراتية توسعية يُعبّر عنها صراحة،تطبيع عربي يُمهّد من الداخل،ابتزاز للنخب عبر ملفات سوداء،وكيان صهيوني، إسرائيل، يؤدي وظيفة القيادة والتنفيذ.تصريحات ترامب عن انشغاله “بصِغَر إسرائيل” كلما نظر إلى الخريطة، وتفكيره في كيفية توسيعها،وتبجّح مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وهو يرفع خريطة الشرق الأوسط معلنًا: نحن نغيّر الشرق الأوسط، ثم حديثه المتكرر عن إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات،وتصريح هاكابي بوصفه ممثلًا رسميًا…وملفات إبشتاين الإجرامية والوحشية للضغط والابتزاز …كلها ليست نبوءات، بل وصف دقيق لمسار جارٍ. *آخر الكلام* ما يجري اليوم من حولنا ليس التحضير للحرب على إيران، بل حرب إنه شروع في الحرب على كل الأمة .. في جغرافيتها وقرارها ومستقبلها.ومن يختزل المشهد في دولة واحدة،سيفاجَأ غدًا بأن الخريطة تغيّرت،والحدود أُعيد رسمها،والسيادة أصبحت ذكرى.
وفي الختام،
يمكن إجمال القول بأن التحليل الملموس للواقع الملموس يفضي إلى هذا هو الاستنتاج المنطقي؛ تدمير المنطقة كلها وإعادة تشكيلها وفق ما يخططون وما يمكرون .. ويبقى أمر واحد فيما يبيّتون، وهو واقع أن الله أكبر منهم ومما يمكرون .. وأنه قوي عزيز .. وأنه على كل شيء قدير ..
وأنه القائل سبحانه :” … أذن الذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير …”
وآخر دعوانا أن اللهم انصر الحق واجعلنا من أهله، واخزِ اللهم الظلم والظالمين .آمين .
—————————-×
باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع



