أحمد رباص – حرة بريس

بينما يتحمل المغرب وطأة آثار الاحتباس الحراري، يذهب بعيدا في التزامه بقضايا المناخ. لكن مهما بلغ الجهد الذي يبذله، فهو ليس مسؤولا فعلا عن هذا التغير المناخي، ولن يكون قادرا على إيقافه، بل يجب أن نتوقع آثاره على أراضيه.
مما لا شك فيه أن الكوكب آخذ في الاحترار ولا يستطيع الملوثون الكبار إبطاء عقارب الساعة الكربونية لأنه من المستحيل عليهم تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بشكل كبير وفوري. سوف تنهار اقتصاداتهم وسيشهد العالم اضطرابات كبيرة.
من المؤسف حقا أن نهر الملوية، أحد أطول الأنهار في المغرب، لم يعد ماؤه يصل إلى البحر الأبيض المتوسط ، بسبب ضعف صبيبه. وبات الاستغلال المفرط وانخفاض هطول الأمطار من الأسباب الرئيسية لهذا الانحسار. أكيد أن تغير المناخ له علاقة كبيرة بهذه الكارثة.
من العواقب الناتجة عن جفاف نهر ملوية حصول أضرار جسيمة في الأراضي الزراعية والتنوع البيولوجي. في الماضي القريب، كانت مياهه العذبة الوفيرة تواصل جريانها إلى أن يبتلعها البحر الأبيض المتوسط، لكن انحساره اليوم أفسح المجال لمياه البحر التي اكتسحت مسافة 15 كيلومترا على طول سرير هذا النهر، الذي يخترق مسافة تفوق 500 كيلومتر وسط جبال الأطلس المتوسط. هذا المعطى الكارثي دفع السكان المحليين إلى التخلي عن استخدام أراضيهم بسبب الملوحة الزائدة.
منذ عدة سنوات، شهدت المملكة تغيرا ملموسا في نظام الفصول الأربعة. في يشهد على ذلك جميع المزارعين، الذين اعتادوا من قبل على فصول أكثر وضوحا وتمايزا، وها هم اليوم يلاحظون تحولا في الفصول ويؤيدون ما قالته ناس الغيوان في إحدى أغانيها: أسبحان الله صيفنا وللى شتوا، وفصل الربيع فالبلدان خريف. بل ها هم يتساءلون مع فرقة “سهام”: مال صباحنا شمس عوافي؟ مال كلتتنا ما بغات تروى؟. قبل عشر سنوات، كان الموسم الفلاحي ينطلق في منتصف شهر سبتمبر، لكنه تأجل حاليا حتى منتصف أكتوبر.
في هذا الشأن، قال زهير حنشاوي، أحد مزارعي منطقة الغرب، لم يعلن وزير الفلاحة عن انطلاق الموسم الفلاحي 2021-2022 إلا في 12 نوفمبر . وبالنسبة لهذا الفلاح المرتبط بأرض والديه، حيث يواجه المغرب أكثر فأكثر العجز المائي الناجم عن الجفاف البنيوي، لا بد من العمل على التكيف والتأقلم مع الوضع المستجد. وهو ما ينطوي على مراجعة فترتي الحرث والبذر للاقتراب من أول حدوث حقيقي لهطول الأمطار، كما يقول زهير.
وارتباطا بارتفاع درجات الحرارة، نلاحظ أنه إذا كان شهر نوفمبر باردا فهذا لا يعني أن مقياس الحرارة كان مستقرا طوال العام. وذلك لأن الزئبق لم يعد متوافقا مع المعايير الموسمية. خلال الصيف، قامت المديرية العامة للأرصاد الجوية بتقييم الموجة الحارة من نوع الشرقي، والتي لوحظت في الفترة من 12 إلى 17 غشت 2021 في المغرب. وأكدت المديرية العامة أنه تم تسجيل أرقام قياسية جديدة لدرجات الحرارة العظمى في عدة مدن بالمملكة.
على إثر هذا التقييم، تم تسجيل رقم قياسي سنوي مطلق قدره 46.7 درجة مئوية يوم 2021/08/13 في فاس مقابل 46.4 درجة مئوية يوم 2021/07/10.
فصلا عن ذلك، سجل ميزان الحرارة خلال شهر غشت هذه الدرجات المئوية في المواقع التالية: تارودانت: 49.3 درجة مئوية مسجلة يوم الأحد 2021/08/15 مقابل 48.9 درجة مئوية بتاريخ 2012/08/02 ، أكادير المسيرة: 49.1 درجة مئوية يوم الإثنين 2021/08/16/ مقابل 48.3 درجة مئوية بتاريخ 2010/08/26 ، مراكش: 48.6 درجة مئوية يوم الجمعة 2021/08/13, مقابل 48.6 درجة مئوية بتاريخ 2012/08/02 ، وجدة: 46.7 درجة مئوية يوم الجمعة 2021/08/13، مقابل 46.2 درجة مئوية بتاريخ 2019/08/06، كلميم: 47.6 درجة مئوية يوم الأحد 2021/08/15 , مقابل 47.0 درجة مئوية بتاريخ 2016/05/08, مكناس: 46.5 درجة مئوية يوم السبت 2021/08/14، مقابل 45.3 درجة مئوية بتاريخ 1925/09/08، تازة:46.1 درجة مئوية يوم الجمعة 2021/08/13، ثم 46.2 درجة مئوية يوم السبت 14/08/2021 مقابل 45.7 درجة مئوية بتاريخ 2017/08/04 ، خريبكة: 45.3 درجة مئوية يوم الجمعة 2021/08/13، ثم 45.5 درجة مئوية يوم السبت 2021/08/14، مقابل 44.1 درجة مئوية بتاريخ 2011/08/08, تطوان: 42.2 درجة مئوية يوم الإثنين 2021/08/16، مقابل 42.0 درجة مئوية بتاريخ 1976/09/08.
وفي إطار مشاركة مغربية متعددة الأبعاد، أكد الملك محمد السادس، في خطابه الذي تلي نيابة عنه أمام المشاركين في الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة الإطاربشأن تغير المناخ (COP26)، التي انعقدت في الفترة من 1 إلى 13 نوفمبر في جلاسكو عاصمة سكوتلاندا، التزام المغرب بقضايا المناخ.
في هذا السياق، أكد جلالة الملك أن المملكة قد رفعت عتبة مساهمتها المحددة وطنيا، وهو ما يعادل خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 45.5 ٪ بحلول عام 2030. إن هذا التصميم جزء من استراتيجية متكاملة لتطوير منخفض الكربون بحلول عام 2050، بهدف الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر الذي يتماشى مع أهداف الاستدامة، وتعزيز المرونة والتكيف وحماية البيئة، والتي يعتمد عليها النموذج التنموي الجديد للمملكة، كما قال رئيس الدولة المغربية.
في المجمل، قدمت 151 دولة مساهماتها المحددة وطنيا، بما فيها المغرب الذي يضمن أن الهدف الجديد المتمثل في خفض 45.5 ٪ من انبعاثاته بحلول عام 2030 غير مشروط وسيتم تحقيقه بنسبة 18.3 ٪ دون دعم من التعاون الدولي. بالإضافة إلى ذلك، جعل النموذج التنموي الجديد الذي يرعى تنفيذه العاهل المغربي من العدالة المناخية والاقتصاد الأخضر في صلب أولوياته.
إلى حد الساعة، يتم توليد 37 ٪ من الطاقة الكهربائية في المغرب من الطاقات المتجددة، وهناك 50 مشروعًا للطاقة المتجددة بقدرة مركبة 3950 ميغاواط قيد الإنشاء. تنتج المملكة بالفعل أكثر من 4000 ميجاوات من طاقة الرياح والطاقة الشمسية ويمكن أن تتجاوز حصة الطاقات المتجددة 60 ٪ بحلول عام 2030.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube