إذا كان سكان العالم يعيشون مثل الفرنسيون لكان يوم التجاوز العالمي سيحدث يوم 7 ماي 2021 وفقا لشبكة البصمة العالمية، بينما بدأ حدث في قطر يوم 9 فبراير ويوم 15 فبراير بالنسبة إلى لوكسمبورغ ويوم 7 مارس بالنسبة للامارات العربية المتحدة، ويوم 14 مارس 2021 بالنسبة للكويت وكندا والولايات المتحدة الأمريكية، بينما في المغرب تم تحديد يوم التجاوز في يوم 26 نونبر 2021 متقدما بحوالي عشرين يوما عن 2019 وبعبارة أخرى إذا عاش سكان العالم بأسره مثل الأمريكيين فسيتطلب الأمر خمس كواكب لتوفير الموارد البشرية بشكل مستدام أو 2.2 كوكب إذا عاش الجميع مثل الصينيين، أو بعبارة أخرى سيستغرق الأمر 1.75 من كوكب الأرض لتلبية احتياجات سكان العالم بطريقة مستدامة.

فقبل أيام قليلة تفصلنا عن التقرير التاريخي الذي ستنشره الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ  يوم 9 غشت 2021 أكد الخبراء أن العلامات الحيوية  للكوكب الأزرق بدأت تضعف بسبب ارتفاع حجم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري  وتراجع سمك الأنهار الجليدية وزيادة حموضة البحار والسرعة في تدمير الغابات مما أذى بالعلماء الى التحذير  من أننا نقترب أو  قد نكون قد تجاوزنا بالفعل نقطة اللاعودة خصوصا في عدة مناطق حرجة على الأرض مثل القمم الجليدية في غرب القطب الشمالي وغرينلاند والشعاب المرجانية وغابات الأمازون المطيرة، ووفقا للخبراء فإنه يجب أن تركز المؤتمرات القريبة المقبلة المهتمة بتغير المناخ أو التنوع البيولوجي أن تهتم بالدرجة الأولى بمعالجة  السبب الجذري المتمثل الاستغلال المفرط للأرض، فبعد أكثر من خمسة أشهر من نهاية العام الحالي يكون العالم قد  استهلك جميع الموارد البيولوجية التي يمكن للأرض أن تجددها في غضون عام، ووفقا للمنظمات غير الحكومية، تلعب إزالة الغابات على نطاق واسع في منطقة الأمازون دورا رئيسيا فالغابات والسافانا والمراعي والصحاري والبحيرات والبحار والحقول والحدائق وكذلك مصايد الأسماك والتنوع البيولوجي كلها تبقى مصدر الموارد البيولوجية للكوكب التي تغذينا وتزودنا بالمأوى والأدوية والغذاء لكن للأسف الإنسانية لها عيون أكبر من معدتها كما يؤكد الخبراء، في مقابل ذلك لم تعد منطقة الأمازون البرازيلية تؤدي دورها كرئة كوكب الأرض  هذا ما جاء به بيان مجموعة من ممثلي المنظمات غير الحكومية بما في ذلك الصندوق العالمي للطبيعة فرنسا وغرينبيس فرنسا  التي دعت إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف الواردات من إزالة الغابات، ففي النصف الأول من عام 2021 زادت إزالة الغابات في منطقة الأمازون بنسبة 17٪ مقارنة بالنصف الأول من عام 2020، ومع افتتاح موسم الجفاف في البرازيل تجاوز عدد الحرائق مثيله في العام الماضي في نفس الوقت، وفي مواجهة هذه الكارثة البيئية والمناخية والاجتماعية تظل مجموعة من الدول الاوروبية والامريكية الشمالية في مقدمتها فرنسا جد سلبية، حيث تساهم واردات فرنسا من المنتجات الناتجة عن إزالة الغابات في تدمير النظم البيئية الاستثنائية لهذه المناطق: تم تدمير الأمازون وسيراد و لإفساح المجال للمراعي وحقول فول الصويا التي تستوردها فرنسا بكثافة لحيواناتها من التكاثر في مقابل ذلك تميز عام 2020 بحرائق دمرت أكثر من 310 ألف كيلومتر مربع في البرازيل حيث من المنتظر أن تفقد الغابة حوالي 10000 كيلومتر مربع معدل الدمار هو الذي يحذر منه العلماء: “إذا لم يتم اتخاذ إجراء فوري فإن غابات الأمازون المطيرة ستتحول إلى سافانا مما سيؤدي إلى تدمير لا رجعة فيه لهذا النظام البيئي الضروري لبقاء البشرية”، هذه النظم البيئية مع التنوع البيولوجي الفريد الذي تتميز به فهي تعتبر حيوية لتوازن مناخ كوكب الأرض، أما اليوم فلم تعد منطقة الأمازون البرازيلية تؤدي دورها كرئتي الكوكب،  بل على العكس من ذلك أصبحت تنبعث منها كمية من الكربون أكثر مما تساعد على عزله، إذا لم يتم فعل أي شيء فقد تصبح منطقة الأمازون بأكملها مصدرا صافيا لانبعاث الكربون.

استراتيجية وطنية لمكافحة إزالة الغابات المستوردة

تبنت فرنسا “استراتيجية وطنية لمكافحة إزالة الغابات المستوردة” في نونببر 2018 فقد ذهبت أدراج الرياح بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية، سيظل عمل فرنسا غير فعال طالما أنه قائم على حسن نية الأعمال، للتأكد من أن فول الصويا الذي تستورده لا يأتي من إزالة الغابات يجب على فرنسا اتخاذ تدابير لإجبار المستوردين على التأكد من أن المنتجات التي يضعونها في السوق ليست مرتبطة بإزالة الغابات أو تدمير النظم البيئية.

ويصادف الخميس الماضي 29 يوليوز 2021 يوم التجاوز العالمي أي على بعد أكثر من خمسة أشهر من نهاية العام يعيش العالم على دين بيولوجي بطريقة ما، “وقد ساهم عاملان رئيسيان في دفع هذا اليوم الشهير إلى الأمام: “زيادة بنسبة 6.6٪ في بصمتنا الكربونية مقارنة بعام 2020 وانخفاض بنسبة 0.5٪ في القدرة البيولوجية العالمية للغابات” أي قدرة الغابات على إنتاج الموارد الطبيعية مثل الخشب الورق وتخزين الكربون” تشرح شبكة البصمة العالمية التي يرجع هذا الانخفاض فيها “إلى حد كبير” إلى ذروة إزالة الغابات المسجلة في منطقة الأمازون.

بينما في كل عام تزداد الوضعية الايكولوجية لكوكب الأرض سوءا بسبب الإفراط المهول في استهلاك الموارد الطبيعية، وتزداد معها النتائج سوءا وفقا للحسابات التي أجرتها شبكة البصمة الايكولوجية العالمية، وهي منظمة بحثية مقرها الولايات المتحدة على أساس ثلاثة ملايين بيانات إحصائية من مائتي دولة، حيث في عام 1970 جاء التاريخ الرمزي ليوم التجاوز الايكولوجي في 29 دجنبر بينما في عام 1990 كان ذلك في أوائل أكتوبر ، وفي عام 2010 كان قد تراجع بالفعل في بداية شهر غشت،بينما الوكالة الفرنسية للتحول الايكولوجي أكدت في آخر تقرير لها بخصوص تقدم يوم التجاوز العالمي سنة بعد أخرى أنه: دليل على أن الأنشطة البشرية متورطة بالفعل حيث في عام 2020 شكل يوم التجاوز الذي حدث في 22 غشت منعطفا تاريخيا بعد تسجيل انخفاض استثنائي لمدة ثلاثة أسابيع مقارنة بعام 2019″، فبالنسبة للوكالة الفرنسية للتحول البيئي فإن: “هذا الانخفاض المرتبط بوباء كورونا يرجع إلى انخفاض الاستهلاك بشكل عام وانخفاض استهلاك الطاقة بشكل خاص وكذلك إلى تقليل تدمير الغابات”، “فقبل الوباء لم يكن هناك أكثر من أزمة عالمية لمنح الموارد البيولوجية مساحة صغيرة للتنفس في عام 2021، هذا الرأس المال الطبيعي الذي يمكن أن يوفر لنا حياة كريمة للسنوات التالية” يؤكد الصندوق العالمي للطبيعة، ففي البرازيل لوحدها تم تدمير 1.1 مليون هكتار من الغابات في عام 2020 وهو رقم قياسي منذ عام 2008، بينما أن عواقب هذا التدمير مقلقة: “حتى مناطق الأمازون بدأت تنبعث من ثاني أكسيد الكربون أكثر مما تلتقطه، يحذر مدير برنامج صندوق حماية الطبيعة فرنسا أرنو جوفييه، وتدعو المنظمة غير الحكومية فرنسا إلى: “دعم تبني تشريع أوروبي طموح لحظر طرح منتجات مرتبطة بإزالة الغابات في السوق الأوروبية”

وكانت المنظمات البيئية العالمية وفي مقدمتها غرينبيس تدق ناقوس الخطر منذ شهور في محاولة لعكس المنحنى ومنع البشرية من استهلاك ضعف الموارد الطبيعية كما في عام 2020، في الوقت الذي تفصلنا أيام قليلة عن عقد المؤتمرات العالمية للمناخ والتنوع البيولوجي في كينمينغ وغلاسكو: من الضروري عدم تفويت فرصة المؤتمر العالمي لحفظ الطبيعة في مرسيليا شهر شتنبر  2021، ومؤتمر المناخ في نسخته السادية والعشرون في غلاسكو  في شهر نونبر 2021 ومؤتمر الأمم المتحدة حول التنوع البيولوجي في نسخته الخامسة عشر” كما أكد المدير العام للصندوق العالمي للطبيعة في فرنسا ، فيرونيك أندريو.

تزداد كل يوم وتيرة الاستهلاك لدى الانسان في كوكب أزرق محدود الموارد حيث أصبح ما يعرف بـ”يوم تجاوز موارد الأرض” يأتي كل عام في موعد مبكر، إلا أنه في زمن كورونا و من غير المتوقع فقد قرر التراجع عن موعده بثلاثة أسابيع الى الوراء، حيث صادف يوم السبت 22 غشت 2020، بعدما كانت المنظمة غير الحكومية “البصمة الايكولوجية العالمية” قد أعلنت عام 2019 يوم 29 يوليوز يوما لتجاوز موارد الأرض، ومن تم تكون البشرية قد استهلكت مجمل الموارد القابلة للتجدد المتوافرة لمدة سنة كاملة في غضون ثمانية أشهر تقريبا )سبعة أشهر و ثلاثة أسابيع( أو بمعنى آخر  يتطلب الأمر 1,75 كوكب أرض لتلبية حاجيات سبع مليارات وسبعمائة مليون من سكان العالم، بينما سنة 2020 شكل هذا اليوم “انعكاسا تاريخيا” مقارنة بالاتجاه طويل المدى لزيادة البصمة البيئية العالمية، تفسره التدابير الاحترازية التي تم وضعها في جميع أنحاء العالم استجابة لوباء كوفيد 19، ومع ذلك فإن هذه الحسابات تقدم شكوكا كبيرة لدى العديد من الخبراء ولا ترضي العديد من زعماء الدول و الحكومات لكون أن هذا المؤشر يفضح و بقوة مدى الدمار الذي تعيشه الأوساط الطبيعية و الموارد المائية و مدى العجز المائي الذي ستعيشه العديد من البلدان نتيجة الاستهتار في التعامل مع هذه المادة الحيوية، بالإضافة الى النمط الاستهلاكي الفردي غير المعقلن، “إنه يظهر أن التغييرات الرئيسية والسريعة ممكنة، لكن هذا الانخفاض في بصمتنا البيئية مفروض وغير مرغوب فيه، وبما أنه لا يأتي مع تغيير نظامي في أنماط الإنتاج والاستهلاك لدينا، فلن يستمر”، يضيف ماتيس واكرناجل رئيس المنظمة.

يوم تجاوز موارد الأرض بصمة بشرية سلبية

يوم تجاوز موارد الأرض هو التاريخ الذي تكون فيه البشرية قد استهلكت العديد من المواد و الموارد أكثر من تلك التي تكون الأرض قادرة على تجديدها في سنة من الوقت، كالأسماك والغابات والأراضي الصالحة للزراعة، وهو يحتسب منذ العام 2003 بمبادرة من منظمة “غلوبال فوتبرنت نتوورك” الأميركية لإظهار الاستهلاك المتسارع الوتيرة لسكان الأرض الذين يزداد عددهم في كوكب محدود الموارد، ويحتسب هذا التاريخ بالاستناد إلى البصمة الإيكولوجية للأنشطة البشرية: المساحات البرية والبحرية الضرورية لإنتاج الموارد المستهلكة وامتصاص مخلفات البشر، من جهة وقدرة الأرض الحيوية من جهة أخرى، أي قدرة الأنظمة البيئية على التجدد وامتصاص النفايات التي يولدها الإنسان، خصوصا في ما يخص احتباس ثاني أكسيد الكربون، و حسب المنظمة غير الحكومية فقد شرع في  تسجيل العجز البيئي منذ فترة السبعينات وتحديدا يوم 29 دجنبر 1970 ثم 4يوم  نونبر 1980 وصولا إلى 11يوم  أكتوبر 1990 ويوم 23 شتنبر 2000 و7يوم  غشت 2010 و يوم 22 غشت 2020.

هناك اختلافات هائلة بين البلدان مرتبطة خصوصا بنموها الاقتصادي ونماذج الإنتاج والاستهلاك المتبعة فيها، ولتصوير هذه الفروق، تحتسب شبكة “غلوبال فوتبرنت نيتوورك” يوم تجاوز موارد الأرض لكل بلد على حدة، ما يوازي تاريخ حصول هذه الحالة إذا ما كان العالم بأسره يستهلك مثل هذا البلد، وهي مسألة اختيارية حيث لا يمكن أن نجد جميع الدول مسجلة على لائحة المنظمة الغير الحكومية، يرتدي “يوم تجاوز موارد الأرض” أهمية رمزية، غير أن السلوكيات التي يسلط الضوء عليها وتبعاتها موثقة على نطاق واسع من العلماء، من الاضطرابات المناخية إلى الزوال الكارثي للأجناس والأنظمة البيئية، وتحدد آخر تقارير الخبراء في الأمم المتحدة بشأن الإحترار المناخي والتنوع الحيوي بوضوح الاتجاهات الواجب إتباعها، بما يشمل تقليص انبعاثات الغازات المسببة لمفعول الدفيئة واستخدام مصادر الطاقة الأحفورية والتغيير الجذري لنموذج الإنتاج الزراعي، وأشار “الصندوق العالمي للطبيعة” إلى أنه “من خلال تقليص استهلاك البروتينات الحيوانية إلى النصف، يمكننا إرجاء هذا الموعد 15 يوما”.

ما هو الهدف من يوم التجاوز؟

قبل كل شيء يهدف تحديد يوم التجاوز إلى زيادة الوعي بحماية البيئة، وبالرغم من ذلك يتم انتقاد مفهوم “يوم التجاوز” بانتظام لتقريبه، ففي عام 2010 اعتقد الرئيس السابق لمنظمة صندوق حماية الطبيعةغير الحكومية في المملكة المتحدة “ليو هيكمان” أنه من المستحيل تجميع مثل هذه البيانات المتنوعة للوصول إلى رقم واحد”، و”أن هذا يرقى إلى “مقارنة التفاح والإجاص من أجل الوصول إلى نتيجة شاملة”.

               وتضيف المنظمة غير الحكومية أن هذا “الانكماش المفاجئ للبصمة البيئية من سنة إلى أخرى” ليس مرضيا، لأنه ناتج عن كارثة عالمية وليس عن “انعكاس مخطط له”، وبعبارة أخرى فالأمر متروك لصانعي القرار السياسي لتطبيق “مبدأ التجديد” الدائم، وليس فيروسًا لإجبار الأشياء، وتعتقد شبكة البصمة العالمية أن الوباء قد أظهر قدرة الحكومات على التصرف وبسرعة: “سواء من حيث السياسات العامة والإنفاق عندما تضع الحياة البشرية فوق كل اعتبار”.

               لذلك لابد من بذل الجهود المتضافرة لوضع سياسات حقيقية للتنمية المستدامة من خلال الإصرار على التطور السلبي لمؤشرها، مع العلم أن البشرية تستخدم 60٪ أكثر مما يمكن تجديده بقدر ما نحن نعيش على 1.6 كوكب”، إن تدهور الأنظمة البيئية بشكل مستمر وبسرعة متزايدة يبرز الحاجة الملحة إلى الاستدامة وإلى التنمية المستدامة، فإدارة التنمية المستدامة تحتاج إلى الأدوات والطرق لحساب الطلب على الموارد البيئية وكذلك لحساب قدرة هذه الموارد على الاستمرارية.

و تعرف البصمة البيئية بكونها أداة محاسبية تجعل من التنمية المستدامة عنصراً قابلاً للقياس عن طريق قياس الاستهلاك الإنساني لمجاله الحيوي مقارنة بقدرة هذا المجال الحيوي على تجديد ذاته، على المستوى العالمي تظهر تحاليل البصمة البيئية أن المجتمع الإنساني في حالة تجاوز حيث أن استهلاك المجال الحيوي يزيد بمقدار 80% عن قدرة المجال على تجديد ذاته  في العام 2002.

ويمكن استخدام البصمة البيئية بواسطة الأفراد والشركات والحكومات للوصول إلى التنمية المستدامة، كذلك تساعد مؤشرات البصمة البيئية على صناعة القرار فيما يتعلق باستخدام الموارد البيئية والتعرف على الطرق و الوسائب التي يمكن بها التقليل من الضغط على المنظومات البيئية.

الدول العربية بطلة يوم التجاوز الايكولوجي

في بداية التسعينات بدأ باحثون في جامعة كولومبيا بقياس مساحة الأرض المطلوبة لتزويد السكان بالمواد والموارد بشكل عام بناء على معدلات الاستهلاك المتباينة جغرافيا وكذلك قياس المساحة التي يتطلبها امتصاص نفاياتهم، وقد أطلق على هذه الطريقة المبتكرة “البصمة الايكولوجية وتقاس بالهكتار، ففي بعض البلدان مثل قطر أو الامارات العربية المتحدة أو الكويت أو الولايات المتحدة الامريكية، تعتبر البصمة البيئية أكبر من مساحة البلاد نفسها بسبب اعتمادها الكامل على الواردات، أو بسبب الاستغلال الجائر لمصادرها، وكذا قدراتها على امتصاص النفايات، وقد خرج الباحثون في الجامعة بنتيجة تؤكد أن الموارد المطلوبة لتأمين مستوى معيشة مثل الذي يتمتع به المواطن الخليجي عامة سواء كان قطريا أو كويتيا أو إماراتيا أو المواطن الأميركي أو المواطن الكندي: فالمواطن الالماني مثلا يتطلب ثلاث كرات أرضية أخرى مثل التي نعيش عليها، في حين يحتاج المواطن الامريكي خمس كرات أرضية، وتؤكد هذه الدراسات أن البصمة البيئية للولايات المتحدة لوحدها تستحوذ على أكثر من 20% من المساحة الكلية لكوكب الأرض، ومن أبرز المفاهيم التي طورها الفكر الاقتصادي الأوروبي المستدام مؤخرا، مفهوم “المساحة البيئية والذي يرتبط إلى حد ما مع مفهوم البصمة البيئية، إلا أنه يستخدم في تحديد الحصة العادلة لكل دولة في العالم من الموارد الطبيعية ومدى تجاوزها لهذه الحصة، ويقوم بتحليل معيار العدالة البيئية في ذلك، وهذا ما أدى أيضا إلى تطور مفهوم الديون البيئية، ومن أبرز المحاولات في هذا الصدد ما قام به الباحثون الألمان في معهد فوبرتال للبيئة والمناخ في الدراسة الشهيرة ” تخضير الشمال” والتي قدم فيها المعهد خلاصة لنتائج أبحاثه في كيفية انتقال المجتمعات الأوروبية إلى الاستدامة، وطور من خلال الدراسة مفهوم المساحة البيئية.

 وينطلق المفهوم من حقيقة أن معظم السياسات البيئية في العالم  تركز في عملها على تقليل انبعاث الغازات الدفيئة من الأنشطة الاقتصادية وتكون بذلك حققت نجاحا ملحوظا خاصة لدى الدول الأوروبية،  حيث تركز الدراسة الألمانية على دورة حياة السلعة الإنتاجية كونها مادة خام ومن ثم مرورها بعمليات الإنتاج وأخيرا انبعاث الغازات الدفيئة و طرح النفايات في الأوساط الطبيعية.

و تشير المساحة البيئية إلى المساحة من الأرض التي يمكن استغلالها بدون إحداث ضرر نهائي لا يمكن تصليحه في عناصرها الأساسية، ويعني المفهوم بالتالي القدرة الاستيعابية للأرض والموارد الطبيعة على دعم النشاطات الاقتصادية ويركز على الحدود الاستثمارية لها، وتؤكد الدراسة أن الدول الصناعية قد تجاوزت بكثير المساحات البيئية المحددة لها طبيعيا بينما لا تزال الدول النامية غير قادرة على الوصول إلى استغلال المساحة البيئية التي تستحقها، وهذا ما يؤكد عدم وجود عدالة بيئية في استثمار الموارد الطبيعية.

تقدم يوم التجاوز العالمي الفرنسي

كلما زاد استهلاكنا واستنزافنا للموارد الطبيعية لكوكب الأرض وبشكل كلما زادت نفاياتنا، وهذا لا يخلو من عواقب على صحتنا وبيئتنا، وفي زمن كورونا تغير نمط استهلاكنا وأثر بشكل كبير على محيطنا، ففي فرنسا مثلا قام الفرنسيون “بتغيير نمط استهلاكهم بالكامل مما تسبب في إعادة تنظيم عامة لإمدادات الغذاء، وقدرت رئيسة الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين  كريستيان لامبرت: “زيادة كمية استهلاك المواطن الفرنسي في زمن كورونا بـزيادة 140٪ في مبيعات الدقيق، وبزيادة 99٪ في المعكرونة، إنه أمر لا يصدق من حيث التغيير، لكننا اتبعنا ذلك” و تؤكد الرئيسة: “كان هناك الكثير من عمليات الشراء والمشتريات الاحترازية من جانب الفرنسيين الذين يخشون من النقص والذين يخافون من نفاد الكمية والذين يخرجون أقل، لذا قام الفرنسيون بشراء المنتجات الجافة التي  وتم ملأ الخزائن من المنتجات التي يمكن أن تستمر لفترة طويلة حيث هناك عدد أقل من الجبن واللحوم “.

               في عام كورونا وفي قمة الحجر الصحي وبعد إغلاق المطاعم والمقاهي تضيف الرئيسة: “تغيرت طرق اقتناء المواد الغذائية والمستلزمات الضرورية للبيت، حيث أصبحت أماكن الشراء هي  الانترنيت نظرا لظروف الحجر الصحي، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع أثمنة بعض المواد بنسبة 65٪ في عمليات البيع والتسليم والإيصال للمنزل بالسيارة ما لم يسبق رؤيته من قبل”،    وبشكل عام، ظلت الأسعار مستقرة في فرنسا باستثناء بعض أنواع الفواكه والخضروات الطازجة في حين تم التخلي عن مجموعة من الخضر و الفواكه حيث بقيت في الحقول وقالت رئيسة الاتحاد الوطني لنقابات المزارعين: “عندما لا يكون مربحا لا يحصد المزارعون”، ومع إغلاق المطاعم انخفض حجم النفايات المنتجة يوميا في باريس، حيث في أيام الحجر الصحي يتم جمع ما معدله 12900 طن من النفايات يوميا في حين كان يتم جمع حوالي 19000 طن في الأيام العادية.

تدبير النفايات هدف استراتيجي

فإذا كانت إدارة هذه المليارات من أطنان النفايات تتم بشكل جيد نسبيا في البلدان الغنية  فغالبا ما ينتهي بها الأمر في مطارح عشوائية مفتوحة في البلدان التي لا تملك القدرة على جمعها ومعالجتها، حيث من المنتظر أن تعرف كمية النفايات الناتجة عن الاستهلاك الفردي زيادة بنسبة 70٪ في غضون 30 عاما القادمة هذا ما جاء به البنك الدولي في تقريره الأخير، و هذه الزيادة تثير الانزعاج لأنها ستحدث إلى حد كبير في البلدان النامية حيث غالبا ما يتم الاعتناء بالنفايات ومصادر التلوث بشكل سيئ، ويتجاوز الإنتاج السنوي للنفايات المنزلية والنفايات الشبيهة لها  بالفعل ملياري طن في السنة، بسبب التحضر السريع، وارتفاع مستويات المعيشة والنمو السكاني ومن المرجح أن يزيد هذا الحجم بنسبة 70٪ إلى 3.4 مليار طن في عام 2050، وفقا للبنك الدولي، بينما في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ستضطر البلدان إلى مواجهة تزايد كتلة النفايات الى ثلاثة أضعاف أي بأكثر من 516 مليون طن مقارنة بــــــــــــــــــ 174 مليون طن المسجلة حاليا، هي  كارثة إذن تنتظر دول افريقيا غرب الصحراء خاصة وأن هذه البلدان لديها القليل من البنية التحتية لإدارة هذا التدفق الخطير.

               فعبر العالم ينتج كل فرد في المتوسط ​​0.74 كيلوغرام من النفايات يوميا، الرقم الذي يخفي تفاوتات واسعة حيث من 0.11 كيلوغرام في ليسوتو الإفريقية إلى 4.50 كيلوغرام في برمودا الكاريبية، و ترتبط هذه الاختلافات ارتباطًا وثيقًا بمستوى تقدم و تطور الدول، فكلما ارتفع مستوى معيشة الأفراد زاد استهلاك السكان للمنتجات الجاهزة مما يؤدي إلى إنتاج المزيد من العبوات البلاستيكية المخصصة لتعبئة المنتجات وبالتالي يكون مصيرها في نهاية المطاف هو التخلص منها في أقرب حاوية للنفايات، فبالرغم من أنها لا تمثل سوى 16٪ من سكان العالم فإن الدول المتقدمة تنتج 34٪ من نفايات العالم، و تمثل مخلفات الطعام و النباتات حوالي 44٪ من الحجم الإجمالي للنفايات عبر العالم، و تأتي النفايات البلاستيكية في المرتبة الثانية بنسبة 17٪ من حجم النفايات، و مرة أخرى يمكن ملاحظة الفوارق الكبيرة اعتمادا على مستوى تقدم البلدان، وتنتج الدول ذات الدخل المنخفض المزيد من المخلفات الغذائية، بينما تنتج الدول المتقدمة المزيد من المخلفات الغذائية “الجافة” عبارة عن بلاستيك أو ورق أو معدن أو زجاج خاصة تلك القادمة من قطاع الصناعة الغذائية والمنتجات الاستهلاكية.

تدبير النفايات  كندا نموذجا

في كندا من المعتاد رؤية شاحنة جمع النفايات تمر عدة مرات في الأسبوع خارج المنزل، و لكن للأسف هذا بعيد عن كون هذا السيناريو يمكن نسخه في أماكن أخرى عبر العالم، فبالكاد يتم جمع 39٪ من النفايات في البلدان المنخفضة الدخل، و في كثير من الأحيان يتم حرق ما تبقى من النفايات التي لم تتمكن من جمعها في الجزء الخلفي من المنزل أو إلقاءها في الشارع من قبل الأسر مما يؤدي إلى مشاكل مرورية في المدن ويعزز انتشار الأمراض.

               في كندا يتم طمر الغالبية العظمى من نفايات المجال الحضري فمن بين كمية النفايات التي يتم تجميعها نجد 37٪ مدفونة و 33٪ متبقية في العراء، و بالكاد يتم إعادة تدوير 19٪ منها أو تسميدها و 11٪ منها يتم حرقها.

               و  لا تزال إعادة التدوير من صلاحيات الدول الغنية، ففي البلدان منخفضة الدخل إذ يتعلق الأمر بـنسبة 4٪  فقط من النفايات، و تنتهي الأغلبية الساحقة من النفايات أي حوالي 93٪ في مطارح النفايات العشوائية أو تلك المفتوحة على الهواء الطلق والتي بشكل أو بآخر لا تدار بشكل جيد حيث تتسرب  الليكسيفيا والمركبات السامة في التربة و بالتالي الى الفرشة المائية و بالتالي فهي تصبح ضارة بالبيئة وبصحة الإنسان.

               و ينتج عن جمع ومعالجة النفايات 1.6 مليار طن من الكربون سنويًا أي حوالي 5٪ من إجمالي انبعاثات الغازات الدافئة المسببة للاحتباس الحراري، و إذا لم يتم فعل شيء يمكن أن يصل هذا الرقم إلى 2.6 مليار طن في أفق عام 2050 مما سيزيد من تفاقم الاحترار العالمي، وتأتي هذه الانبعاثات بشكل رئيسي من غاز الميثان الناتج عن تحلل النفايات في مطارح النفايات، و الجميل في الأمر أن هذا الميثان يمكن استرداده كمورد للطاقة لتدفئة المباني، و للإنارة العمومية.

               و يمثل البلاستيك 12٪ فقط من النفايات التي يتم تجميعها، ولكن له عمر طويل بشكل خاص، بينما تختفي نفايات النباتات في غضون أيام أو أسابيع قليلة فقد تستغرق الزجاجة البلاستيكية ما بين 100 إلى 1000 عام لتتحلل، بالإضافة إلى ذلك يمكن أن تخنق الأكياس البلاستيكية الحيوانات و الاسماك إذا تم تناولها و تلوث جزيئات البلاستيك الدقيقة المحيطات والكائنات البحرية، و وفقًا لمؤسسة  إلين ماك آرتور سيكون هناك بلاستيك أكثر من الأسماك في المحيطات في عام 2050 إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء.

               وتشغل السوق غير الرسمية للنفايات 15 مليون شخص، غالبيتهم من السكان الأكثر فقراً وضعفاً من النساء والأطفال والمهاجرين الذين يجمعون ويرتبون ويعيدون بيع النفايات مقابل بعض التغيير الطفيف، ويغذي هؤلاء العمال في بعض الحالات اقتصادا محليا حقيقيا يحرم الأطفال من التعليم ويعرضهم للمنتجات والأمراض الخطرة.

               و خلاصة الأمر هي أنه لا يمكن اعتبار الأسر المصدر الرئيسي للنفايات، فالقطاع الصناعي ينتج 18 مرة أكثر  من كمية النفايات التي تلقي بها الاسر المعيشية أو بصيغة أخرى يتم إنتاج 12.7 كيلوغرام من النفايات للفرد يوميًا حيث يمكن استعادة هذه النفايات غير الخطرة من ورق مقوى و زجاج و خشب بلاستيك  وتدويرها  كوقود بديل البترول، وتأتي المشكلة بشكل رئيسي من النفايات الخطرة: النفايات الطبية ومثيلاتها والتي يصعب معالجتها بشكل خاص والتي تتميز بمستوى عال من السمية على البيئة. و تعد الزراعة أيضًا منتجًا رئيسيًا للنفايات حيث غالبًا ما يتم تجميع النفايات العضوية بشكل منفصل ويتم إعادة استخدامها كسماد أو لتغذية الحيوانات.

               في كندا و على عكس بعض الدول الأوروبية تستمر عملية جمع النفايات كالمعتاد في زمن كورونا، بغض النظر عن السبب وفقًا لبيتي آن فورتين نظرًا لأنها خدمة أساسية، وأضافت المديرة العامة المؤقتة فرانسيس بيروبي أن تعليق أنشطة إعادة التدوير يهدف إلى حماية العمال من الاصابة بفيورس كورونا.

               “كان علينا أن نتوقف لأن الناس يتلامسون المواد بأيديهم ولو بارتداء القفازات فهناك حاويات قابلة للإرجاع مثل زجاجات المياه والعصير والخمور ، وكلها توضع في الفم، و يمكن أن يكون هناك شخص واحد فقط في جميع أنحاء المنطقة مصاب بفيروس كورونا ويمكنه أن ينتقل بسهولة الى عمال التدوير” كما توضح فرانسيس بيروبي.

ختاما إن حياة ورفاهية الإنسان ترتبط ارتباطا وثيقا بصحة بيئته، ولا يمكن لمجتمع أن تستمر حياته من دون غابات، أو مصادر نظيفة للمياه أو أراضي خصبة أو مناطق رطبة  تلك التي تعتبر “رؤوسا للأموال” البيئية التي تزود بالموارد وتمتص المخلفات التي ينتجها الإنسان، وعلى الرغم من علاقة الإنسان الوطيدة ببيئته فإنه غالباً ما يغفل عن حالة التدهور والاستغلال المفرط للمنظومات البيئية، ولعل اضمحلال مناطق صيد الأسماك وفقدان الغطاء النباتي واستمرار تراكم الملوثات ومخلفات النفايات خير مثال على ذلك، في عالم ترتفع فيه مستويات عيش الافراد على الكوكب الأزرق، ويزداد معها تعداد السكان إلى ما يناهز الثمانية ملايير نسمة، مما يخلق عجزا بيئيا ملموسا و يجعل العالم يعيش مدينا لأشهر عديدة.

 
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube