أحمد رباص – حرة بريس

هذه الثنائية لم أنقلها بحذافيرها من مقال، أو من كتاب ناتج عن رواية أو دراية، بل خبرت دلالتها ومعناها من خلال الممارسة كما يتذوق المرء حلاوة ومذاق فاكهة أثمرتها شجرة غرسها وسقاها بيديه..
المابعدي فاعل إيجابي، متفتح على المستقبل..يؤمن بأن العمل المستمر الدؤوب هو الطريق الملكي الى تحقيق التراكم الذي يمكن تشخيصه في رصيد معرفي أو تجربة إنسانية ناجحة يقتدى بها في مجال خدمة الصالح العام أيا كانت طبيعته، في تجرد تام عن أي انتهازية ضيقة مقيتة.
في حين أن الماقبلي فرد سلبي، اتكالي لأنه يريد كل شيء جاهزا، وهو لأجل ذلك ميال الى النقد كلما لمس خللا أوغيابا دون أن يكون له أدنى استعداد للتطوع من أجل ملء الغياب أو إصلاح الخلل..
لكن عندما تختل معايير الإنصاف والاستحقاق في مجتمع يشكو من انتشار وتغلغل الجهل في السواد الأعظم من أفراده، عندها يتساوى المابعدي والماقبلي، ولربما تغلب كفة الثاني على كفة الأول..
في بادئ التحاقي بمهنة التعليم، تعاطيت للكتابة على سبيل التطوع لفائدة جريدة يسارية لسانِ حالِ حزبٍ اشتراكي..كلما صادفت مقالا لي منشورا في الجريدة إلا ويقول لي أحد زملائي: أنا لن أكتب للجريدة إلا بشرط واحد وهو أن يدفعوا لي مقابلا ماليا نظير ما بذلته من جهود وأتعاب أثناء الكتابة..
عندها أكتشفت أن محدثي من الماقبليين.كنت أتساءل في هذه الحالة: كيف حكم هذا الزميل على نفسه بأنه يمسك بناصية الكتابة وهو لم يكتب ولو جملة مفيدة واحدة؟ كيف يريد أن تدفع له الجريدة نصيبا من المال على مقال لم يكتب بعد؟ إنه يبيع الأسماك وهي تسبح حرة طليقة في أعماق البحر!
أعرف أستاذا للفلسفة في الثانوي التأهيلي كان قد حدثني قبل تقاعده عن ما وقع له في المحمدية مع أعضاء مكتب محلي للحزب المشار إليه سلفا.
قام بزيارة لمقر الفرع المحلي واجتمع مع من كان ساعتئذ حاضرا من أعضائه ودخل معهم في حوار دافئ حول أمور تخص التنظيم المحلي ومستلزماته..سألهم عن الأرشيف الذي يحتوي على الوثائق الصادرة عن الحزب في مناسبات سابقة ويضم محاضر وبيانات الاجتماعات التي سبق أن حررت تحت سقف المقر. لما كان الجواب بالنفي، اعتبره الأستاذ نقطة ضعف كبيرة، وعوض أن ينخرط في الحزب ويعمل بهمة ونشاط على ملء هذا الفراغ الذي وقف عليه بالتنسيق طبعا مع أعضاء المكتب، قرر أن يكون يوم زيارته للمقر آخر يوم يفكر فيه بالالتحاق بأي حزب كان.
هكذا حرم هذا الأستاذ نفسه من جني فوائد التأطير والتكوين، لا لشيء سوى لأنه ما قبلي، وحق بالتالي نعته ب idiot بما تعنيه هذه الكلمة في لغتها اليونانية الأصلية من نفور من المشاركة السياسية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube