كلمات* .. في الاستيطان الصهيوني بالمغرب-

*———————————– *
الزحف ماضٍ بالتوازي .. على الأرض وفي المؤسسات.. فهل يكون “حزب الموزيط» هو محطة التفجير ل” الحسم ” ؟*
أحمد ويحمان
× لم يعد ممكناً، بعد كل ما تراكم خلال السنوات الأخيرة، أن نتعامل مع الاختراق الصهيوني للمغرب باعتباره مجرد وقائع متفرقة، أو حوادث معزولة، أو مبادرات تطبيعية هنا ومشاريع استثمارية هناك، أو مجرد تطور في العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب. فقد كتبنا في هذه الزاوية، وفي أكثر من مناسبة، عن المسألة في تفاصيلها الدقيقة، من «بيبيو الخراب على الباب» إلى «السنة الأمازيغية.. الخرافة والخطورة»، وصولاً إلى كتاب «إسرائيل المملكة المقدسة لبني إسرائيل» وما بينها من مقالات ومقابلات و محطات ورموز وإشارات. واليوم يبدو أن الصورة تزداد اكتمالاً، وأن ما كان يقرأه البعض في السابق كإشارات متفرقة، بات يحتاج إلى قراءة المسار كله باعتباره زحفاً متوازياً : زحفاً على الأرض، وزحفاً على المؤسسات، وزحفاً على الوعي والرموز والسيادة.وليس من قبيل المصادفة أن تختصر عناوين صحفية صادرة في المغرب جزءاً من هذه السردية المتصاعدة : غلاف مجلة «زمان» الذي صدر بمانشيت؛ «المغرب أرض يهودية»، ثم غلاف «حقائق مغربية» الذي حمل كان عنوان عددها الخاص؛«المغرب المملكة المقدسة لبني إسرائيل». وبصرف النظر عن التفسيرات التضليلية التي يمكن أن تقدمها الجهات الناشرة لهذه العناوين، فإن الانتقال من الحديث عن حضور يهودي في تاريخ المغرب إلى استعمال عبارات تتصل بالأرض والقداسة والسيادة يستحق، في حد ذاته، أن يكون موضوع مساءلة وطنية جادة.وهنا تحديداً تكمن المسألة.فالمشروع، كما نراه، لم يعد يتعلق فقط بإدخال إسرائيل إلى المغرب؛ وإنما بإعادة إدخال المغرب نفسه في سردية إسرائيلية عنه.أي أن القضية لم تعد هي أن تكون هناك علاقات دبلوماسية، ولا أن يأتي مستثمر إسرائيلي، ولا أن تُنظم فعالية تطبيعية، وإنما السؤال الأكبر هو : أي مغرب يراد إنتاجه من خلال تراكم هذه الوقائع؟ لقد سبق أن كتبنا عن أطروحة «إسرائيل جديدة بالمغرب»، وعن أن أخطر ما في المشروع الصهيوني ليس احتلال الأرض فقط، وإنما إعادة تركيب المجال والتاريخ والهوية والرموز بما يجعل الاحتلال، حين يأتي، نتيجة طبيعية لما سبقه من تغيير في الوعي والوقائع.وهذه الفكرة ليست بلا جذور تاريخية. فالسنة 1903 شهدت بالفعل طرح أفكار صهيونية تتصل بالمغرب كخيار للاستيطان اليهودي؛ وتوجد وثائق ومراجع تاريخية تتحدث عن محاولة تيودور هرتزل بحث إمكانية استيطان يهود أوروبيين في المغرب، بالتزامن مع النقاشات الصهيونية حول مشاريع الاستيطان قبل فلسطين ( يمكن العودة لمقال مفصل وموثق في هذا الصدد للكاتبة والصحفية الصهيونية نتسيحيا يعݣوب بيديعوت أحرونوت ومقالي التحليلي لمقالها في دجنبر 2020، متوفر على النت). كما ظهرت جمعيات صهيونية منظمة في المغرب منذ بدايات القرن العشرين، منها جمعية «أحباء صهيون» في آسفي سنة 1903.. والمعنى هو أن فكرة المغرب باعتباره مجالاً محتملاً لمشروع استيطاني يهودي لم تكن اختراعاً معاصراً، وأن استحضار هذه السابقة التاريخية مشروع في سياق مساءلة ما يجري اليوم. ومن هنا نعود إلى الأرض.لقد سبق أن كتبنا عن مشروع «بوروك تافيلالت» وما أثاره من أسئلة حول تفويت واستغلال مساحات واسعة من الأراضي في منطقة الرشيدية، و ارتباطها بمستثمرين من كيان الإبادة ومشاريع زراعية. كما أن مصادر صحفية تحدثت عن ضيعتين بالمنطقة، ووصفت إحداهما بأنها واسعة إلى درجة أن أبناء المنطقة أطلقوا عليها، على سبيل التندر، اسم «مستوطنة الراشيدية». والأهم أن القضية لم تبقَ مجرد حديث إعلامي؛ فعندما يتعلق الأمر بأراضٍ جماعية، وبمساحات واسعة، وبمستثمرين أجانب، وبسياق سياسي وثقافي عنوانه التطبيع، فإن السؤال عن السيادة على الأرض، وعن المستفيد الحقيقي من هذه التحولات، يصبح سؤالاً مشروعاً لا يجوز إسكاتُه بوصفه «عداءً للاستثمار». وتتداول، في السياق نفسه، معطيات وفيديوهات حول أراضي و مشاريع زراعية أخرى، وحول استثمارات مرتبطة بزراعة نباتات ذات دلالات دينية في التراث اليهودي التلمودي. وهذه المعطيات تحتاج، كل واحدة منها، إلى توثيق مستقل قبل تحويلها إلى وقائع قطعية. لكن تراكم الأسئلة حول الأرض والملكية والاستثمار والرموز الدينية والثقافية يجعل القضية أكبر من مجرد صفقة عقارية أو مشروع فلاحي.والأخطر أن الزحف، إذا صح التعبير، لا يتحرك على الأرض وحدها.إنه يتحرك أيضاً داخل المؤسسات والإدارة والإعلام ومراكز التأثير.وهنا نصل إلى التطور الأحدث : انتخاب المدعو الغزيوي رئيساً للمجلس الوطني للصحافة في 21 شتنبر 2026، وهذه واقعة مؤسساتية ثابتة لا تحتاج إلى تأويل.أما علاقة هذه الواقعة بمسار التطبيع والاختراق الصهيوني، فهي تستند إلى مسار هذا الشخص القادم إليها من جريدة الأحداث المغربية المملوكة لرئيس رئيس عصابة “كلنا إسرائيليون “؛ وهي الجريدة التي قدم إليها من مكتب الاتصال الصهيوني حيث كان يشتغل بقسمه ” الثقافي ” !!!وهو ما يثبت الزحف الصهيوني على المؤسسات . ولذلك فإن السؤال الذي يهمنا هنا ليس هذا الشخص بعينه، وإنما السؤال الأكبر :ماذا يعني أن تصبح مواقع التأثير في المؤسسات الإعلامية جزءاً من المعركة على الرواية وحرب السرديات ؟ لقد سبق أن نظم أندري أزولاي، ما أسماه «منتدى توحيد الهياكل» بين المغرب وكيان الاحتلال الصهيوني، في سياق لقاءات جمع لها مسؤولين ووزراء وفاعلين اقتصاديين من المغرب والكيان. ثم توالت فعاليات وتظاهرات ومبادرات جهوية “ثقافية” و”اقتصادية” في مسار الاختراق والتطبيع .وفي 2026 لم تعد المسألة مجرد مكتب اتصال.لقد تم الإعلان عن الانتقال إلى مستوى السفارات، فيما كان قد سبق لمديرة مكتب الاتصال الصهيونية السابقة لونا فيشر أن صرحت بأن : «هذه لن تكون مجرد سفارة، وإنما بيتاً لكل إسرائيلي في العالم». !!!وهذه العبارة تقتضي حقا الوقوف عندها بكل ما يلزم من استنفار وطني ..فما الفرق، في النهاية، بين علاقة “دبلوماسية” بين المغرب وكيان الإبادة، وبين أن تتحول السفارة إلى مفهوم «بيت لكل إسرائيلي في العالم»؟أين تنتهي الدبلوماسية وأين يبدأ النفوذ؟وأين تنتهي “الشراكة” وأين تبدأ الوصاية؟وأين ينتهي “التطبيع” وأين يبدأ الاختراق؟لقد كتبنا، قبل سبع سنوات، في «بيبيو الخراب على الباب»، أن المشروع الذي كنا نرصده يمكن اختصاره في ثلاث مراحل :التبئير… ثم التوتير… ثم التفجير.التبئير: خلق بؤر متعددة في المجتمع والمجال، سياسية وثقافية وإعلامية واقتصادية ورمزية.والتوتير: جعل هذه البؤر تنتج احتكاكات وتناقضات وتوترات، مع إبقاء النار تحت الرماد.ثم التفجير: أي الوصول إلى اللحظة التي تصبح فيها التوترات المتراكمة قابلة للانفجار، بما يفتح الطريق أمام إعادة ترتيب المجال السياسي والمؤسساتي والاجتماعي على نحو جديد.وكان تحذيرنا يومها أن المسار قد ينتهي إلى اختطاف الدولة نفسها، وتحويل التطبيع من “خيار سياسي” إلى وظيفة مؤسساتية تُنجز بأدوات الدولة والمال العام. !!! واليوم، بعد سنوات من ذلك التحذير، فلينظر كل واحد ماذا يرى أمام عينيه ! إن حجم الوقائع المتراكمة أصبح يفرض على الجميع أن يسأل عن الاتجاه العام للمسار. فإذا كان الزحف على الأرض يتقدم، والزحف في الإعلام والثقافة يتقدم، والزحف في المؤسسات يتقدم، والزحف الدبلوماسي يتقدم، فماذا يبقى من معنى القول إننا أمام مجرد «تطبيع» محدود ؟! ثم جاءت «الانتخابات التشريعية» ليوم 23 شتنبر 2026، فإذا بـ«الموزيط» الأزرق، الذي بدا أنه يفضح أكثر مما يستر، يكشف جانباً من حقيقة المشهد؛ فقد كان المدعو أحمد الشرعي، صاحب شعار «كلنا إسرائيليون»، قد دعا صراحة إلى التصويت لحزب الموزيط، مقدماً إياه باعتباره «حزب الملك»، والحال أن الملك، كما هو مفترض، ملك الجميع ولم يكلفه قط بالحديث باسمه، بينما الشرعي عضو في مجلس الإدارة العالمي لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) الصهيوني العالمي، الذي كان يقوده الكولونيل عيران ليرمان، مستشار مجرم الحرب نتانياهو . ؛ ثم جاءت النتائج بتصدر «حزب الموزيط» بـ97 مقعداً . فهل كان «الموزيط» مجرد لون انتخابي، أم أنه كشف، من حيث أراد أو لم يرد، لون المرحلة واتجاهها ؟ وهل نحن أمام انتقال جديد في مسار الدولة والمؤسسات، بحيث تنتقل العلاقات مع كيان الإجرام من ملف “دبلوماسي” إلى بنية أوسع تمس الاقتصاد والإعلام والثقافة والمؤسسات والعقيدة .. والمصير وكل المغرب ككيان وكوجود ؟ذلك هو السؤال الحقيقي.أما أخطر ما في المسألة، في تقديرنا، فهو اصطدام الدولة بالشعب .فهذا هو اللغم الذي ظل حاضراً في كل مراحل هذا المسار.وقد استطاعت القوى الحية في المجتمع المغربي، لإبطال مفعول هذا اللغم،حتى الآن، أن تضع سقفاً موحداً لجزء واسع من الحراك المناهض للتطبيع : *إسقاط التطبيع.* وفي المقابل، أظهرت الدولة، في محطات مختلفة، قدراً من الحذر في تجنب تحويل الخلاف حول التطبيع إلى مواجهة مفتوحة مع المجتمع.لكن الإصرار على فرض التطبيع رغم الرفض الشعبي، وتزايد الخطاب الذي يتعامل مع المغرب كفضاء مفتوح لمشاريع وروايات خارجية، يمكن أن يدفع بالسقوف إلى الأعلى، ويجعل ما كان خلافاً سياسياً يتحول إلى أزمة ثقة أعمق بين المجتمع وبعض مؤسساته ثم إلى انفراط العقد تماما بين الدولة والمجتمع .وهنا تحديداً تكمن الخطورة.فالمشكلة ليست في اليهود المغاربة، ولا في اليهودية باعتبارها مكوناً من مكونات التاريخ المغربي ..المشكلة هي في تحويل التاريخ اليهودي المغربي إلى أداة لإعادة تعريف المغرب وفق سردية سياسية خارجية قاتلة، وفي تحويل التطبيع إلى نفوذ ممتد في الأرض والإعلام والاقتصاد والثقافة والمؤسسات.والقضية، قبل ذلك وبعده، أن المغرب ليس أرضاً سائبة.لا يمكن أن يكون مجالاً لإعادة التجريب الجيوسياسي.ولا يمكن أن تكون السيادة الوطنية قابلة للتجزئة بين ما هو رسمي وما هو فعلي.ولا يمكن أن يصبح التطبيع، شيئاً فشيئاً، آلية لإعادة تركيب المغرب من الداخل. *آخر الكلام* حين كتبنا عن «التبئير والتوتير والتفجير» لم نكن نبحث عن نبوءة؛ كنا نحاول قراءة مسار. واليوم، بعد أن انتقل التطبيع من مكتب اتصال إلى سفارة، هي بمثابة “بيت كل إسرائيلي العالم”، ومن الدبلوماسية إلى الاقتصاد والثقافة والإعلام، وبعد أن صار السؤال مطروحاً حول الأرض والمؤسسات والرموز ومحاولات الكيان ، من خلال الحاخامات، استنبات حائط مبكى جديد بمراكش ووكر لدعارة الأطفال بضاحيتها في آيت فاسكا … و … و… واغتصاب المغربيات في وكر المجرم غوفرين الذي قال : أنا أتعمد إهانة الملك ! ” وبعد الرسول محمد ص صهيوني ! وقرآن بورغواطة ونبي الأمازيغ بن طريف بن شمعون … الخ .. بعد كل هذا، فإنه لم يعد السؤال : هل يوجد اختراق؟ بل : هل سيصل هذا الاختراق والتطبيع، بدل إسقاطه، إلى أن يكون هو ما سيسقط النظام .. ويسقط المغرب كله في أتون ما يجري في كل مجالات التماس مع كيان الإجرام ؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الدولة مع شعبها حول التطبيع؛ وإنما أن يتحول هذا الاختلاف إلى قطيعة، وأن يصبح الإصرار على فرض الأمر الواقع وقوداً لصدام لا يحتاجه المغرب ولا يخدمه. لذلك فإن «التفجير» الذي نحذر منه ليس قدراً محتوماً، ولا هو دعوة إلى صدام؛ بل هو تحذير من لحظة يصبح فيها تراكم التوترات أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائها. والمخرج، قبل أن نصل إلى تلك اللحظة، هو أن تتوقف سياسة فرض الأمر الواقع، وأن تُصان السيادة، وأن يُفتح نقاش وطني حقيقي حول مخاطر التطبيع ومآلاته. فالوطن لا يحميه الذين يطلبون من شعبهم أن يصمت، ولا الذين يراهنون على أن التطبيع يمكن أن يمر بالتقسيط؛ وإنما يحميه الوعي بأن الأرض والمؤسسات والقرار والهوية ليست أوراقاً في صفقة.
والسؤال الذي يظل مفتوحاً، إذن، ليس فقط : هل يكون «الموزيط» محطة التفجير ؟ وإنما : هل ننتبه قبل أن يصبح ما جرى بناؤه بالتدرج أكبر من القدرة على تفكيكه ؟
اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما يبيت لبلادنا وفيما يفعل السفهاء منا .. فينا ! آمين !
———————×
باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع





