مستجداتمقالات الرأي

المغرب والجزائر: *هل يتحول التوتر الإقليمي إلى غطاء للهروب من الأزمات الداخلية؟*

لم يعد التوتر القائم بين المغرب والجزائر مجرد خلاف دبلوماسي عابر أو تنافس تقليدي حول النفوذ الإقليمي، بل أصبح مصدر قلق متزايد لدى عدد من الباحثين ومراكز الدراسات الدولية، التي حذرت من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية، ولو نتيجة حادث غير محسوب أو سوء تقدير متبادل. وقد تناولت دراسات، من بينها دراسة الباحث جلال خشيـب المنشورة سنة 2025 بمنصة جامعة LUISS الإيطالية، وتقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر سنة 2024، العوامل التي تجعل استمرار التصعيد أمراً محفوفاً بالمخاطر. غير أن السؤال الذي يستحق نقاشاً سياسياً أعمق لا يتعلق فقط باحتمالات الحرب، بل أيضاً بكيفية انعكاس هذا التوتر على الوضع الداخلي في البلدين: هل يمكن أن يتحول الصراع الإقليمي إلى أداة لتعبئة الرأي العام، وتغليب الخطاب الأمني، وتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية والإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية؟أزمات الشباب وانسداد الآفاقوفي المقابل، يعيش الشعبان المغربي والجزائري أزمات اجتماعية واقتصادية، أبرزها بطالة الشباب وانسداد الآفاق، ما يدفع أعداداً منهم إلى الهجرة بحثاً عن أفق أفضل وكرامة مفقودة، بدل أن تنشغل السياسات العمومية بتوفير العمل وتحسين شروط العيش.توظيف التوتر سياسياًوفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال سياسي جوهري: هل يتحول التوتر المغربي الجزائري إلى وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، وتوجيه أنظار الشعبين نحو العدو الخارجي بدل مواجهة الاختلالات الداخلية؟ فحين يتقدم الخطاب الأمني على الخطاب الاجتماعي والديمقراطي، تصبح قضايا المواطنين مؤجلة، وتتحول معاناة الشباب إلى هامش في حسابات الصراع السياسي.*مسؤولية الأحزاب السياسية*ولا يمكن إعفاء الأحزاب السياسية في البلدين من مسؤوليتها؛ فالأحزاب المغربية والجزائرية مطالبة بالخروج من منطق الاصطفاف القومي الضيق، والقيام بدورها في الدفاع عن مصالح الشعوب، بدل الانجرار وراء الخطابات المتشنجة أو الصمت أمام تصاعد التوتر. فالأحزاب الحقيقية لا تُقاس بمدى ولائها للسلطة، بل بقدرتها على الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلم بين الشعوب، لأن الشعب المغربي ليس عدواً للشعب الجزائري، والشعب الجزائري ليس عدواً للشعب المغربي.*في الختام*إن الأمل الذي نتطلع إليه ليس انتصار المغرب على الجزائر أو انتصار الجزائر على المغرب، وإنما انتصار العقل والحكمة على منطق العداء والتصعيد. فالشعبان يجمعهما التاريخ والجغرافيا والروابط الإنسانية، وتجمعهما أيضاً آمال مشتركة في الحرية والكرامة والتنمية والعيش الكريم. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو بناء جسور الحوار والثقة، ووقف سباق التوتر، وفتح صفحة جديدة قوامها التعاون والتكامل واحترام إرادة الشعبين. فالمغرب القوي لا يحتاج إلى جزائر ضعيفة، والجزائر القوية لا تحتاج إلى مغرب ضعيف؛ بل إن قوة كل منهما تكتمل بقوة الآخر. إن مستقبل الشعبين لا ينبغي أن يكون رهينة صراعات الأنظمة، بل ثمرة إرادة مشتركة في السلام والديمقراطية والازدهار.*خلاصة القول*إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بين المغرب والجزائر، بل أيضاً في استمرار مناخ العداء الذي قد يُستغل لتوجيه أنظار الشعبين نحو الصراع الخارجي، بدل مواجهة الأزمات الداخلية والاستجابة لمطالب المواطنين. فالشعبان ليسا عدوين، ولا ينبغي أن يكون مستقبلهما رهينة حسابات الأنظمة وصراعاتها. إن مصلحة المغرب والجزائر تكمن في الحوار والتعاون والديمقراطية والتنمية، لا في سباق التسلح والتصعيد.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID