*كلمات* .. في «الحزب اليهودي» بالمغرب

—– *إنه ذات مشروع «الملك يهودي».. و«قرآن» بورغواطة و«عاش نتانياهو قiائدي وملكي الوحيد» !*
أحمد ويحمان
× لم يكن غريباً أن يثير الخبر المتداول على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، بشأن ما قيل إنه مشروع تأسيس حزب سياسي بالمغرب باسم «حزب الوحدة»، وبمرجعية يهودية، نقاشاً واسعاً واستغراباً كبيراً. فالوثيقة المنشورة، التي تحمل شعار الحزب بالعربية والعبرية، وتضع إلى جانبه اسم «مفلغت هليكود» (מפלגת הליכוד)، أي حزب الليكود الإسرائيلي، تستدعي أسئلة كثيرة، ليس فقط بسبب ما تتضمنه من مضامين وإحالات، وإنما أيضاً بسبب السياق الذي تظهر فيه. وللتدقيق، فإننا لا نقدم هذا الخبر باعتباره واقعة مؤكدة، ولا نجزم بأن إجراءات تأسيس الحزب قد تمت أو حُسمت قانونياً وإدارياً. إنه “خبر ” متداول يحتاج إلى التحقق والتوضيح من الجهات المعنية. لكن تسجيل محاولات متعددة، خلال السنوات الماضية، لإدخال أجندات التطبيع والاختراق الصهيوني إلى الحياة السياسية والثقافية المغربية، يجعل من الضروري أخذ هذا الخبر على محمل الجد، والتعامل معه في ضوء سوابقه، لا باعتباره حادثاً معزولاً أو مجرد فقاعة عابرة. فالوثيقة المتداولة، إن صحت نسبتها وسلامة مضمونها، تستحضر محطات من مسار العلاقات المغربية الصهيونية والحضور والابتزاز الامريكيين في هذه العلاقات . كما تقدم الحزب باعتباره وفياً للملك والوحدة الترابية والثوابت الوطنية، وتتخذ من الدين اليهودي مرجعية له ! وهنا تبرز الأسئلة الجدية في مثل هذا الملف المسخرة : ما معنى أن يحمل حزب مغربي اسماً عربياً هو «الوحدة»، ويضع إلى جانبه اسماً عبرياً هو اسم حزب الليكود الإسرائيلي؟ وما طبيعة المرجعية السياسية التي يراد تقديمها؟ وكيف يمكن التوفيق بين هذا التصور ومقتضيات الدستور والقانون التنظيمي للأحزاب السياسية، ولا سيما المادة الرابعة من القانون التنظيمي رقم 29.11، التي تعتبر باطلاً كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي؟ ثم ما الذي يراد قوله باستدعاء هذه المحطات الصهيونية المرتبطة بكيان الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في وثيقة يفترض أنها تقدم مبادرة سياسية مغربية؟ إنه العبث صحيح، لكن ما أكثر عبثنا في هذه البلاد طيلة السنوات الأخيرة ومنها محاولات استنبات حائط مبكى جديد بمراكش.. ومنها زعم المدعو جاكي كادوش أن الملك على علم، وأنه بارك قولهم في رحلة ما يسمى”شراكة” ادعاء أن محمد رسول الله (ص) صهيوني ! وكيف أوقف ذات الشخص ” الشخصيات ” المغربية من ” مفكرين حداثيين ” ووزراء سابقين و “زعماء” احزاب سياسية و” شيخ من السلفية المتصهينة … خاشعين لطقوس تلمودية لينفخ في ” الشوفار ” !!! لكن المسألة، في تقديرنا، أوسع من هذه الفقاعة الجديدة، وأخطر من أن تختزل في مصير ملف حزب، أو في أسماء أشخاص وضعوا أنفسهم في واجهة مبادرة من هذا النوع. ذلك أن الخطأ الأكبر هو أن ننشغل بالأدوات وننسى من يشغلها، وأن نلاحق الواجهات ونغفل المشروع الذي يقف وراءها. فهذه الأدوات، في حد ذاتها، لا تكتسب أهميتها إلا بمقدار ما تمثله من امتداد لأجندة أكبر، وبقدر ما تؤديه من وظائف خطيرة لفائدتها. وليست القضية، إذن، أن نعطي هذه الأسماء حجماً سياسياً أو فكرياً لا تستحقه، وإنما أن نبحث عمن يؤطرها ويمولها ويوجهها، وعن الجهات التي تنتج الأفكار والمخططات وتبحث لها عن واجهات محلية لتسويقها وتنفيذها. ومنذ سنوات ونحن نكتب وننبه إلى أن الأمر يتعلق بمشروع متدرج، تتغير واجهاته وأدواته وأسماؤه، بينما تظل الأجندة واحدة. وقد سبق أن تناولنا في أعمدة «كلمات» عناوين من قبيل «في يهودهم ويهودنا»، و«في أن أزولاي هو نائب الملك!!!»، و«في إعلان إسرائيل جديدة بالمغرب.. بالتقسيط»، و«الملك.. نحن و”التصهيونيت”». وفي هذه المقالات لم يكن موضوعنا اليهود المغاربة، الذين كانوا، ولا يزال بعضهم، جزءاً أصيلاً من تاريخ المغرب وذاكرته ونسيجه الوطني، وإنما كان موضوعنا الصهيونية بوصفها مشروعاً سياسياً استعمارياً، وأدواتها التي تسعى إلى توظيف التاريخ والدين والثقافة والسياسة في خدمة أهدافها الخبيثة. وقد كان من بين ما توقفنا عنده، منذ وقت مبكر، مشروع تحويل المغرب من بلد كان فيه اليهود، على قلتهم، جزءا أصيلا منه إلى ما يروج له في بعض المنشورات والمجلات باعتباره «أرضاً يهودية» و«المملكة المقدسة لبني إسرائيل». وسبق أن توقفنا عند مقولة «الملك يهودي»، وما يرتبط بها من محاولات نزع الشرعية التاريخية عن الانتماء المغربي والعربي والإسلامي للبلاد، وإعادة تركيب روايات تاريخية وجغرافية تخدم سردية صهيونية توسعية. وتناولنا كذلك ما أثير حول «قرآن بورغواطة» و”نبي الأمازيغ” بن طريف بن شمعون، وتوظيف اسم شيشناق والسنة الأمازيغية في بناء سرديات تاريخية مشحونة سياسياً وأيديولوجياً، لا علاقة لها بالبحث العلمي الرصين بقدر ما تتصل بمحاولات اختلاق تاريخ بديل مرتبط بالفكر الصهيوني وتوظيف التنوع الثقافي المغربي في مشاريع الاختراق. وهنا لا بد من التأكيد مرة أخرى أن الأمازيغية مكون أصيل من مكونات الهوية المغربية، وأن خدمتها الحقيقية تكون بالعلم والإنصاف وصيانة الذاكرة الوطنية، لا بتحويلها إلى غطاء لخدمة أجندات خارجية معادية .ولننتبه هنا إلى أمر جوهري: فعندما نتحدث عن المدعو أحمد الشرعي، وما يعرف بمجموعة «كلنا إسرائيليون»، فإننا لا نريد أن نجعل من شخص اسمه أحمد الشرعي مركز القضية، ولا أن نحصر النقاش في ما يقوله هذا الشخص أو ذاك. وإنما نريد أن نستحضر الجهة التي ينبغي أن يكون مشروعها وتوجهاتها موضع النقاش والمساءلة: منظمة JISS الصهيونية العالمية، أي «معهد القدس للاستراتيجية والأمن»، التي يرد اسم الشرعي ضمن مجلسها الإداري، ويبرز في قيادتها الكولونيل السابق في جيش الاحتلال الإسرائيلي عيران ليرمان، مستشار مجرم الحرب نتانياهو. وبالتالي، فإن السؤال الذي يهمنا هو: ما طبيعة هذه المنظمة؟ وما توجهاتها الاستراتيجية؟ وما الذي يفكر فيه ويخطط له محيطها؟ وما طبيعة موقع الأعضاء المرتبطين بها في المغرب من تلك التوجهات؟ إننا، عندما نناقش هذه الواجهات، نريد أن نناقش، في العمق، ما وراءها وما يغذيها من تصورات ومخططات، لا أن نمنح أصحابها حجماً أكبر من حجمهم.. ولأن ذلك هو ما يفسر عددا من السلوكات السريالية التي استعصى على المغاربة استيعابها كمقال الشرعي الذي دافع فيه عن نتانياهو لما أدانه العالم كله وأصدرت في حقه أعلى هيئة قضائية دولية قرارا يصفه ب “مجرم حرب ” مطلوب للعدالة !!!والأمر نفسه عندما نتحدث عن المدعو عبد الله الفرياضي أو عمر إسرا، أو غيرهما ممن تأكدت بشأنهم علاقاتهم بعوفير جندلمان، مستشار مجرم الحرب نتانياهو السابق والمسؤول عن الخطاب الإعلامي العربي لرئاسة الحكومة . فليس المقصود أن نمنح هؤلاء، في ذواتهم، أهمية تتجاوز حجمهم، وإنما أن نستحضر ما يثار بشأن شبكات التأطير والتوجيه والعلاقات التي تصل بعض الواجهات المحلية بمحيط الدعاية السياسية والإعلامية الإسرائيلية. وإذا كانت هناك تدريبات أو لقاءات أو علاقات أثبتناها موثقة في أكثر من مناسبة، فالمطلوب هو كشف طبيعتها، وتحديد من أشرف عليها، وما مضمونها، وما الأهداف التي تخدمها.وعندما نتحدث عن المدعو أحمد عصيد ومنير كجي وعمر اللوزي وعبد السلام بوطيب وغيرهم من الأسماء التي حضرت في نقاشاتنا السابقة حول الأمازيغية والهوية والتاريخ، فإننا لا نريد أن نختزل القضية في سجال شخصي معهم، ولا أن نجعل من كل اختلاف فكري دليلاً على ارتباط تنظيمي. وإنما نريد أن نناقش طبيعة الأفكار والأبحاث والمشاريع التي يجري الترويج لها، ومصادرها ومؤسساتها، وما إذا كانت تتقاطع مع تصورات ومشاريع بحثية صهيونية سبق أن تناولناها، ومنها ما ارتبط باسم ضباط في الاستخبارات الصهيونية من امثال الأنتبولوجي بروز مادي وايزمان، والدكتور إيغال بنون، والمدعوة عينات ليفي وليا بنشتريت وغيرهم/هن. والسؤال الذي يستحق البحث والتوثيق هو : ما طبيعة الصلات العلمية والمؤسساتية والتمويلية، بين هذه المشاريع؟ ومن يضع أجنداتها؟ ومن يستفيد من توظيف البحث التاريخي والأنثروبولوجي في إنتاج سرديات تخدم المشروع الصهيوني؟وعندما نتحدث عن محمد أوحساين ويوسف أزهري، وعن بعض الشباب الذين جرى استدراجهم إلى متحف أصدقاء صهيون بكيان الإبادة وترديد عبارات من قبيل «محمد رسول الله صهيوني»، فإننا لا نريد أن نقف عند هؤلاء الشباب باعتبارهم أصل المشكلة. بل نريد أن نبحث فيمن يقف وراء صناعة هذه الخطابات، وفي الأدوار التي اضطلع بها المدعو جاكي كادوش، وما أثير حول توظيفه لاسم الطائفة اليهودية بمراكش والنوادي، وما يستدعيه ذلك من أسئلة حول التمثيلية والشرعية والوظائف السياسية لهذه المبادرات. فالمهم ليس فقط من نطق بالعبارة، وإنما من أنتجها، ومن وفر لها شروط الانتشار، ومن أراد من خلالها استفزاز المجتمع المغربي واستهداف مرجعياته الدينية والوطنية.وعندما نتحدث عن زكريا مرزوݣي، وفيديوهاته التي يردد فيها : «عاش نتانياهو قائدي وملكي الوحيد»، وعن المدعو عبد العالي الرحماني والإبراهيمي ويونس أبعدور (يونا)وغيرهم ممن تم تهويدهم و الشباب الذين مروا عبر ما يعرف بمعهد ألفا الإسرائيلي، فإننا لا نريد أن نجعل من هؤلاء الشباب مركز القضية، ولا أن نتوقف عند ما يقولونه أو يرددونه باعتباره جوهر الموضوع. إن السؤال الأهم هو: من يقف وراء هذا التأطير؟ وما طبيعة البرامج والتدريبات التي يتلقاها هؤلاء؟ ومن يضع مضامينها وأهدافها؟ وما الأدوار التي يراد لهم أن يؤدوها عندما يعودون إلى المغرب؟إن زكريا مرزوݣي والإبراهيمي وغيرهما، في هذا السياق، ليسوا نهاية الحكاية، وإنما مدخل إلى مساءلة من يقف وراءها، وإلى البحث في طبيعة المؤسسات التي تستقطب الشباب المغربي وتؤطره وتوجهه، ولا يتوقف الأمر عند معهد ألفا وقائده الحاخام والضابط في جيش الحرب الصهيوني أفيكسار. فليس المهم أن نناقش شاباً يعلن تغيير ولائه للملك محمد السادس إلى ” قائده وكلمه الوحيد نتانياهو ” ويحرص أن يردده ويسجله ويعيد تسجيله بمختلف المدن المغربية ويوزعه على العالمين، بقدر ما ينبغي أن نسأل عن البيئة التي أنتجت هذا الخطاب، وعن الجهات التي تجعل من تمجيد نتانياهو، في ظل جرائم الحرب والإبادة المرتكبة بحق الفلسطينيين، عنواناً للولاء والانتساب.إن السؤال هنا يتجاوز الأشخاص إلى مخططات التأثير والتأطير والتجنيد الناعم، وإلى الأدوار التي قد تضطلع بها مؤسسات دينية وأمنية وعسكرية في صناعة نخب وواجهات محلية تخدم مصالح الكيان. وهذه مسائل تقتضي التحقيق والتوثيق، لا الاكتفاء بمشاهدة الفيديوهات والتعليق عليها.وعندما نتناول جين بنزاكين والدعاوى التي أثيرت باسمها ضد الدولة المغربية، فإن الأمر لا يقف عند شخص أو دعوى قضائية، وإنما يقتضي فحص طبيعة الادعاءات المتعلقة بالعرش المغربي والمنازعة فيه، وأسانيدها وخلفياتها وما يمكن أن يترتب عنها من مساس بالسيادة الوطنية. فالقضايا التي تمس الدولة والملكية والسيادة لا يفهم المغاربة معنى أن تتحول إلى مجرد مواد للتداول العابر، بينما ينبغي التعامل معها بالوثائق والحجج والقانون.وهنا نعود إلى الفكرة التي نريد أن نؤكدها: عندما نتحدث عن الشرعي، فإن السؤال يتجاوز شخصه إلى طبيعة علاقته بمنظمة JISS ورئيسها عيران ليرمان؛ وعندما نتحدث عن الفرياضي وإسرا وغيرهما، فإن السؤال يتجاوز ما يصدر عنهم إلى شبكات التأطير التي ينبغي كشف طبيعتها، ومنها ما أثير بشأن عوفير جندلمان؛ وعندما نتحدث عن عصيد وكجي واللوزي بوطيب وأوتعديت ومحمد العلوي …، فإن النقاش يتصل بالأفكار والأبحاث ومصادرها ومؤسساتها؛ وعندما نتحدث عن مرزوݣي والإبراهيمي، فإن السؤال يتجاوز الشباب إلى الجهات التي تتولى استقطابهم وتكوينهم. فالموضوع ليس الأشخاص في ذواتهم، وإنما ما يمثلونه، ومن يحركهم، وما المشروع الذي يراد تمريره من خلالهم.وهكذا، فإن الأسماء التي نوردها ليست هي موضوعنا النهائي، بل هي مداخل إلى موضوع أكبر: من يشغل؟ من يؤطر؟ من يمول؟ من يخطط؟ ومن يستفيد؟ وهذه الأسئلة لا تجيب عنها حملات التشهير ولا سجالات الأشخاص، وإنما تجيب عنها الوثائق والتحقيقات والبحث الجاد، وتتطلب من المؤسسات المختصة تحمل مسؤولياتها.ومن الأسماء التي سبق أن حضرت في هذا المسار، في مقالاتنا ونقاشاتنا، جاكي كادوش، وبروز مادي وايزمان، والدكتور إيغال بنون، إلى جانب أندري أزولاي، في سياق ما تناولناه من مبادرات ومنتديات ومشاريع لإعادة تشكيل العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني، وصولاً إلى ما سمي «منتدى توحيد الهياكل» بين المغرب وكيان الإبادة.كما سبق أن توقفنا عند ما أثير بشأن مشاريع ومحاولات لإدخال هذا الاختراق إلى الحياة السياسية المغربية، ومنها تجربة «تامونت» وما ارتبط بها من انتقالات وتحالفات سياسية، وظهور أسماء مثل أحمد الدغرني ومنير كجي وعدي ليهي في سياق محاولة الالتحاق بحزب التجديد والإنصاف، وفق ما نشرته الصحافة في حينه قبل أن يفصح مشروع التسلل الصهيوني هنا. وتناولنا أيضاً ما ارتبط باسم عمر إسرا، وما أثير حول محاولات تأسيس إطار حزبي جديد، فضلاً عن عبد الله الفرياضي، وما أثير حول علاقاته بعوفير جندلمان، وعن الرسالة إلى أخنوش المتعلقة بإزالة أسماء زعماء الحركة الوطنية والشهداء الفلسطينيين من شوارع مدينة أكادير.وهذه ليست أسماء نوردها للتشهير بأشخاص، ولا لإصدار أحكام قضائية أو أمنية في حق أحد، وإنما لاستحضار محطات و”شخصيات” ومبادرات سبق أن أثارت أسئلة سياسية ووطنية، وما تزال تستحق البحث والتوثيق والمساءلة العامة. فالمطلوب هو فحص الوقائع والروابط والمواقف والتمويلات …والذي ينبغي أن ينتبه إليه المغاربة هو أن هذه الفقاعات، مهما بدت مثيرة للسخرية أو للاستغراب، لا ينبغي أن تحجب حقيقة المشروع الذي تتقاطع معه. فالمشروع ليس فقاعات، وأصحابه ليسوا أشباحاً، والأجندة ليست اختراعاً صحافياً. هناك كيان صهيوني قائم، بأجهزته الاستخبارية والعسكرية والمالية والإعلامية، وبشبكة علاقاته العابرة للحدود، يعمل على توسيع نفوذه وتطبيع حضوره في المنطقة، وإعادة صياغة الوعي والذاكرة والرموز بما يخدم مصالحه الاستراتيجية.وهنا بالضبط ينبغي أن ننتقل من متابعة الأعراض إلى مساءلة البنية التي تنتجها: من يمول؟ ومن يوجه؟ ومن يفتح الأبواب؟ ومن يوفر المنابر والجوائز والتسهيلات؟ ومن يحول المال العام إلى ريع لفائدة مبادرات وأبحاث وفعاليات لا تتضح معايير إسنادها ولا مردودها العلمي والثقافي؟إن ما يثير القلق، في هذا السياق، هو ما يثار حول توظيف المال العام المغربي في منح جوائز وتحفيزات وتمويلات، تحت عناوين خدمة الأمازيغية أو البحث التاريخي أو الذاكرة المشتركة، بينما تثار بشأن بعض المستفيدين أسئلة جدية حول طبيعة مشاريعهم وارتباطاتهم وتكويناتهم وشبكات علاقاتهم. وهذا يفرض فتح افتحاص جدي وشفاف لكل الجوائز والمنح والبرامج والصفقات والتمويلات العمومية المعنية، والتحقق من طبيعة الأبحاث المنجزة، ومن معايير الاستفادة منها، ومن الجهات التي تشرف عليها أو توجهها.كما يقتضي الأمر مساءلة الجهات التي توفر التداريب والتأطير لبعض هذه الوجوه، والتحقق من طبيعة علاقاتها بمستشارين ومسؤولين صهاينة، ومن حقيقة ما يثار بشأن صلاتها بمحيط مجرمي الحرب وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو وإسحاق هرتسوغ، رئيس الكيان، الذي لا يحتاج المغاربة إلى دروس من محيطه في الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بينما تتواصل جرائم الحرب والإبادة في غزة، وتتمزق أجساد الأطفال والنساء والمدنيين تحت القصف الصهيوني.فكيف يستقيم أن يخرج إلينا من يشتغلون على تبييض صورة هذا الكيان، أو الترويج لمشاريعه، بخطاب البحث العلمي والتعدد الثقافي والتعايش، بينما يواصل هذا الكيان ارتكاب جرائمه، ويعمل في الوقت نفسه على تصدير سردياته إلى مجتمعاتنا؟ وكيف يستقيم أن يتحول المال العام المغربي إلى مورد محتمل لتغذية مشاريع لا تخدم السيادة الوطنية ولا البحث العلمي المستقل؟إن الأمر لا يتعلق بموقف من اليهودية أو من اليهود المغاربة. بل إن تاريخ المغرب يشهد على يهود مغاربة كانوا في طليعة الوطنيين والمقاومين والمناضلين من أجل الحرية والكرامة، كما يشهد على أسماء يهودية مغربية حملت هم فلسطين ووقفت ضد الصهيونية والتطبيع، من أمثال إدمون عمران المليح وجيرمان عياش وابراهام السرفاتي ورفيقنا في المرصد المغربي لمناهضة التطبيع يعقوب كوهين والمرحوم أسيدون / المعطي الذي كريم حياته لمواجهة الصهيونية العنصرية والذي تحل هذه الأيام ذكرى وفاته الأولى الملغزة، والتي ينتظر رفاقه ورفيقاته كل التوضيحات بشأنها . ولذلك فإن الخلط بين اليهودية والصهيونية ليس فقط خطأ معرفياً وأخلاقياً، بل هو خدمة مجانية للمشروع الصهيوني نفسه، الذي يريد احتكار تمثيل اليهود وتسخير هويتهم وذاكرتهم لتبرير سياساته الاستعمارية.إن المعركة، إذن، ليست مع يهود المغرب، بل مع من يريدون أن يجعلوا من المغرب منصة لمشاريع الكيان الصهيوني، ومن الأمازيغية مطية، ومن التاريخ مادة للتزوير، ومن السياسة واجهة للاختراق، ومن المال العام وسيلة لشراء الولاءات وتدوير النفوذ. *آخر كلام* إن ما يسمى «حزب الوحدة» المعلن عنه اليوم قد يكون فقاعة جديدة، وآخر تقليعة في سوق الواجهات السياسية التي يجري تسويقها للمغاربة. لكن الفقاعة لا تلغي المشروع، وتبديل الواجهات لا يغير طبيعة الأجندة. فمن «الملك يهودي» إلى «قرآن بورغواطة»، ومن «المغرب أرض يهودية» إلى «المغرب المملكة المقدسة لبني إسرائيل»، ومن مشروع جاكي بن كادوش إلى مشاريع بروز مادي وايزمان وإيغال بنون، ومن «محمد رسول الله صهيوني» إلى منتدى أزولاي لتوحيد الهياكل مع كيان الإبادة الجماعية، نحن أمام خيط ناظم واحد، عنوانه محاولة صناعة «إسرائيل جديدة» في المغرب، بالتقسيط، وبواجهات تتبدل كلما انكشفت واحدة منها.وما ينبغي أن يفهمه أصحاب هذه المشاريع، ومن يشتغلون لحسابها أو يراهنون عليها، هو أن المغرب ليس أرضاً سائبة، ولا ذاكرة بلا أصحاب، ولا وطناً قابلاً لإعادة الهندسة وفق خرائط تل أبيب. وأن فلسطين ليست قضية عابرة في وجدان المغاربة، بل هي امتحان للسيادة والكرامة والوفاء.فلتتغير الفقاعات كما تشاء، أما المغرب فليس للبيع، وفلسطين ليست للنسيان، والتطبيع خيانة.
———————–×
باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع




