محمود عرشان في مجلس المستشارين: بين ذاكرة الماضي وأسئلة الحاضربقلم: دريس السدراوي

الرئيس المؤسس للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان
لم يكن الجدل الذي أثارته مداخلة محمود عرشان بمجلس المستشارين، خلال مناقشة التصريح الحكومي، مجرد سجال عابر حول الماضي، بل مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية بشأن الذاكرة الحقوقية للمغرب، ومدى استيعاب المؤسسات السياسية لدروس سنوات الرصاص. فبدلاً من تحويل النقاش إلى مواجهة حول الأوصاف والاتهامات، كان الأجدر أن يشكل فرصة لمناقشة كيفية ضمان عدم تكرار الانتهاكات، وتعزيز دولة الحق والقانون، ومعالجة الملفات الحقوقية العالقة، وفي مقدمتها قضية المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي.إن قيمة استحضار الماضي لا تكمن في إعادة إنتاج خلافاته، بل في استخلاص العبر منه لبناء حاضر يحترم الكرامة الإنسانية ويضمن الحرية والعدالة للجميع.إن تدخل محمود عرشان داخل مؤسسة تشريعية يفترض أن تكون فضاءً للنقاش المسؤول حول السياسات العمومية، يطرح سؤالاً أساسياً: هل ينبغي أن يظل استحضار الماضي محصوراً في تبادل الاتهامات والسجالات الشخصية، أم أن المطلوب هو تحويله إلى فرصة لمناقشة التحولات الحقوقية التي عرفها المغرب، والاختلالات التي ما تزال تستدعي المعالجة؟إن مناقشة التصريح الحكومي تقتضي مساءلة الحكومة حول حصيلة سياساتها والتزاماتها، ومدى احترامها للحقوق والحريات، وليس الاكتفاء باستحضار خلافات الماضي. فالتاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للمزايدة السياسية، بل إلى مصدر للعبرة والمسؤولية، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات التي عانى منها المغاربة خلال مراحل سابقة.ولا يمكن التعامل مع ذاكرة الانتهاكات الحقوقية باعتبارها ملفاً منتهياً لمجرد مرور الزمن أو صدور تقارير وتوصيات بشأنه. فالمصالحة الحقيقية تقتضي استمرار النقاش العمومي، وصون الذاكرة، وإنصاف الضحايا، وترسيخ ضمانات قانونية ومؤسساتية تحول دون تكرار ما حدث. كما تقتضي الشجاعة في مواجهة أسئلة الحاضر، لأن احترام حقوق الإنسان لا يُقاس فقط بما تحقق في الماضي، بل أيضاً بما يُضمن اليوم من حرية التعبير، والحق في الاحتجاج السلمي، والمحاكمة العادلة، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول الماضي ينبغي أن يرتبط مباشرة بالملفات الحقوقية الراهنة، وفي مقدمتها أوضاع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وكل من يثار بشأن اعتقاله أو محاكمته جدل حقوقي جدي. فالمطلوب هو ضمان المحاكمات العادلة، ووضع حد للاعتقال التعسفي، والإفراج عن كل من يثبت أن اعتقاله تم تعسفياً، بما ينسجم مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.إن استحضار سنوات الرصاص لا تكون له قيمة حقيقية إذا لم يسهم في حماية الأجيال الحالية من تكرار الانتهاكات نفسها، أو إذا تحول إلى موضوع للسجال دون أن تترتب عنه إجراءات عملية. فالمغرب في حاجة إلى نقاش حقوقي مسؤول، يتجاوز الأشخاص وتصفية الحسابات، ويركز على بناء دولة المؤسسات والقانون، وضمان استقلال القضاء، وحماية الحريات الأساسية، وتنفيذ التوصيات الحقوقية ذات الصلة.إن النقاش الذي أعادته مداخلة محمود عرشان إلى الواجهة ينبغي ألا يتوقف عند حدود السجال الإعلامي، بل يجب أن يتحول إلى حوار وطني مسؤول حول الحقيقة والإنصاف وضمانات عدم التكرار. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى مواصلة النقاش العمومي والمؤسساتي بشأن ماضي الانتهاكات الحقوقية، وربطه بقضايا الحاضر، وفي مقدمتها الإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وإنهاء الاعتقال التعسفي، وضمان المحاكمة العادلة، وحماية حرية التعبير والتظاهر والعمل الحقوقي.كما ندعو إلى مواصلة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وتعزيز استقلال القضاء، وفتح نقاش جدي حول سبل جبر الضرر وحفظ الذاكرة ومساءلة المسؤولين وفق القانون، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق جميع الأطراف.إن استخلاص الدروس من سنوات الرصاص يقتضي إرادة سياسية ومؤسساتية تجعل من عدم التكرار التزاماً عملياً، لا مجرد شعار. فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق بالصمت عن الماضي أو تجاهل انتهاكات الحاضر، وإنما بالاعتراف بالحقوق، وإنصاف الضحايا، والإفراج عن كل من ثبت أن اعتقاله تعسفي، وبناء ضمانات قانونية ومؤسساتية تمنع تكرار ما حدث.إن المطلوب اليوم ليس إعادة فتح جراح الماضي من أجل تبادل الاتهامات، بل فتح نقاش جاد ومسؤول يجعل من الذاكرة الحقوقية مدخلاً للإصلاح، ومن حقوق الإنسان معياراً لتقييم الحاضر والمستقبل. فالمغرب الذي يتطلع إلى تعزيز دولة الحق والقانون مطالب بأن يجعل الحرية والكرامة والعدالة مبادئ ملموسة في حياة المواطنين، وأن يترجم التزاماته الحقوقية إلى إجراءات عملية، في مقدمتها معالجة ملفات الاعتقال التعسفي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.ذلك هو الدرس الأهم من الماضي، وتلك هي المسؤولية الحقيقية تجاه الحاضر والمستقبل.




