شخصياتمستجدات

م. ص.، جلّادي الحقيررسالة عاجلة إلى صديقي العزيز صلاح الدين


لقد صادفتُ للتو، في أحد مقاهي الدار البيضاء، ذلك الجلاد الحقير م. ص.، الذي ما فتئتَ تحدّثني عنه منذ سنوات. أبعث إليك بصورته. أراه الآن منشغلاً بقراءة آخر الأخبار على الفيسبوك، بعد أن ألقى نظرة على جريدة المقهى.
بعد اطلاعي على مضمون رسالة صديقي، تساءلتُ في نفسي: ما الخبر الذي يبحث عنه جلادي؟
لعلّه يبحث عن خبر موعد محاسبته على الجرائم التي ارتكبها؟
وبطبيعة الحال، وأنا أتأمل الصورة، تبادر إلى ذهني اغتيال ابن عمي الشاب بلقاسم المجاهد المنوزي، الذي توفي تحت التعذيب بالمركز السري درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، في شهر شتنبر 1970. لقد عُذّب حتى الموت على يد الفرقة التي كان جلادي أحد أفرادها.
وقد خُصّصت لقضية وفاته جلسة مغلقة خلال محاكمة مراكش سنة 1971، إذ أصرّ الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد على الاستماع إلى عميد الشرطة الممتاز أ. ح.، رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ونجح في انتزاع موافقة رئيس المحكمة على ذلك، شريطة أن يتم الاستماع إليه في إطار جلسة مغلقة. وقد يَرِد اسم هذا المسؤول ضمن قائمة الجلادين التي نشرتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.
ولن يغفر التاريخ أبداً للطبيب الرئيسي بمستشفى ابن سينا، أ. ر.، الذي أصبح وزيراً فيما بعد، تقديمه إلى رئاسة المحكمة شهادة طبية شرعية مزوّرة، زعم فيها أن بلقاسم المجاهد توفي نتيجة تدهور حالته الصحية بسبب إصابته بمرض السل.
وبطبيعة الحال، تمتد أفكاري أيضاً إلى والدي، الحاج علي المنوزي. تخيّلوا أنه امتلك الشجاعة لتعداد المرات التي تعرّض فيها للتعذيب بالشدّ والرفع بواسطة الحبال، وللصعقات الكهربائية على مستوى البنصر. وكان يقول كثيراً:
«إن تعذيب الخصيتين هو أفظع أنواع التعذيب. الحمد لله أنكم وُلدتم قبل أن…».
جلادنا لا يزال هنا، بيننا
كنت بالكاد في الثالثة عشرة من عمري حين اقتحم الجلاد م. ص.، ضابط بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، باب منزلنا بحي بوركون، على رأس مجموعة تضم نحو عشرة من رجال الشرطة، بحثاً عن أخي الأكبر الحسين المنوزي.
كان داخل المنزل جارتان وأنا، بينما كان والدي وإخوتي معتقلين في مكان مجهول.
أخذوني معهم قسراً، بعدما هدّدوا أمي وأوهموها بأن السبيل الوحيد لرؤيتي مجدداً هو أن تدلّهم على المكان الذي يختبئ فيه الحسين.
كانوا أربعة: رئيسهم، جلادي الحقير؛ وضابط الصف أ. ب.؛ والمفتشان أ. م. وب. ب.، اللذان توفيا منذ ذلك الحين. نعم، رغم مرور السنوات، ما زلنا نتابع عن كثب مساراتهم وما آل إليه أمرهم.
أركبوني سيارة المصلحة من نوع رونو 4، زرقاء اللون، وانطلقنا إلى وجهة مجهولة. لكننا لم نبتعد كثيراً؛ فقد وصلنا إلى منطقة مريزيكة، التي أعرفها جيداً. كنا نذهب إليها للصيد والسباحة في المسبح البلدي. أما اليوم، فقد شُيّد مسجد الحسن الثاني في ذلك المكان.
ما إن نزلنا من سيارة الرونو 4 الزرقاء، التي لا تزال راسخة في ذاكرتي، واجتزنا بعض الصخور في مريزيكة، حتى أمسك م. ص. بيدي، وأخرج مسدسه، وقال لي بنبرة تهديد ووعيد:
«نعرف أنك تعرف المكان الذي يوجد فيه أخوك الحسين. أمامك خياران: إما أن تدلّنا عليه، وإما أن يصبغ دمك هذه المياه المباركة في مريزيكة».
ثم وجّه مسدسه نحوي.
في تلك اللحظة، وجدت نفسي وكأنني أحد أبطال أفلام الغرب الأمريكي، مع النجمين جانغو ورينغو، اللذين كنا نذهب لمشاهدتهما في سينما فيكتوريا أيام الأعياد.
ذلك الحقير لم يتردد في إشهار مسدسه. ولحسن الحظ، لم يكن محشواً بالرصاص.
لقد كانت محاكاةً لعملية إعدام حقيقية، أشرف عليها شخص سادي، بمساندة زملاء لم يُبدوا أدنى قدر من التعاطف أو الإنسانية.
من الصعب وصف تلك اللحظة التي اختلطت فيها المشاعر والأحاسيس: شعور عارم بالعجز، وتسارع في ضربات القلب، وتعرّق شديد.
لا أتذكر حتى الحالة التي أعادوني بها إلى المنزل. وإلى يومنا هذا، لا أستطيع أن أتصور كيف كان رد فعل أمي حين رأتني أعود إليها.
فقد كانت محرومة من أي خبر عن زوجها، الذي اختُطف منذ ثلاثة أسابيع، وعن ابنيها رشيد ونجيب، اللذين تعرضا للمصير نفسه، فضلاً عن خمسة عشر فرداً آخر من أفراد الأسرة.
إنها أم شجاعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. رحمها الله. إنها نموذج يُدرَّس في الصمود والتضحية.
لقد مكّننا احتضانها ومساندتها من تجاوز آثار الصدمات النفسية القاسية والمعاناة التي خلّفتها تلك التجارب، بما فيها اضطرابات القلق، والخوف الذي يطغى على الحياة اليومية، واضطرابات النوم، وغيرها من الآلام النفسية.
وفي الحقيقة، كانت كلماتها البسيطة هي التي أرشدتنا إلى طريق المقاومة وإعادة بناء أنفسنا.
لن أنسى أبداً ذلك الصباح، يوم اجتياز امتحان البكالوريا. استيقظت أمي باكراً لتُعدّ لي وجبة فطور خاصة، تتكون من بيض مسلوق حرصت على وضعه داخل خلية من خلايا العسل قبل تقديمه، هذا في غياب والدي الذي اختُطف من جديد واحتُجز في مكان سري، وقالت لي:
«البكالوريا هي سلاحك في مواجهة هؤلاء الجلادين الحقيرين».
كنت أحلم بمتابعة دراستي في الهندسة المعمارية بفرنسا. لكنهم قرروا غير ذلك، إذ حرمونا من جواز السفر لسنوات، ثم تمادوا إلى أبعد الحدود، بحرماننا من وسائل العيش والاستيلاء على مصادر رزقنا.
وفي المقابل، لم يترددوا في ترك الأبواب مشرعة أمام الاختطاف والاعتقال والسجن.
وقد كان لي، ويا له من امتياز مرير، أن أعيش أربع تجارب من الاعتقال التعسفي في ذلك العالم غير الواقعي، حيث تُنتهك الكرامة وتُسلب الحرية.
لكن، في نهاية المطاف، انتصرت تربية الوالدين على القهر، وغرست فينا روح المقاومة والصمود.
فقد مكّنتني تلك التربية من إتمام دراستي بجامعة باريس السوربون، والحصول على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد.
لقد انتصرت إرادة الحياة والعلم والكرامة، رغم كل ما أرادوا أن يفرضوه علينا من قهر وحرمان.
إلى روح أمي وأبي
أمي، الحاجة خديجة الشاو.
أبي، الحاج علي المنوزي.
ارقدا بسلام.
رحمكما الله رحمة واسعة، وأسكنكما فسيح جناته، وجعل ذكراكما حيّة في وجداننا، ونضالكما من أجل الكرامة والحرية والحق منارةً للأجيال القادمة.
صلاح الدين المنوزي
أميان، في 22 فبراير 2023
البريد الإلكتروني: sala.manouzi@orange.fr

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube
Set Youtube Channel ID