أغسطس 18, 2021

على ضوء المبادرة و الدعوة التي تقدم بها القائمون على المركز الأوروبي للإعلام الحر بمعية ثلة من المناضلين و المناضلات و الفاعلين السياسيين و المدنيبن بالمهجر والذين يؤمنون بالديموقراطية و المبادئ الكونية لثقافة حقوق الإنسان، في تناغم مع توجهات منظمة الأمم المتحدة الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة عبر ضمان العيش الكريم لكافة سكان كوكب الأرض.
و لأن التنمية المنشودة تمر عبر ضمان شروط العيش الكريم بدءا من الحفاظ على بيئة مواتية للعيش السليم و تمكين المواطنين من حقوقهم الطبيعية من سكن لائق و تعليم هادف يضمن التكافؤ في الفرص بين مختلف طبقات المجتمع وإيجاد نظام حماية اجتماعي يمر عبر نظام صحي متكامل يشكل الأساس لبناء فضاء ملائم للإبداع المفضي إلى تقدم و ازدهار الأمم.
ولأن المشاركة السياسة تعد أسمى تعبير عن المواطنة في ظل المسارات الديمقراطية، وحيث أن الديمقراطية ليست عملية تصويت تنتهي بمجرد وضع الورقة في صندوق من زجاج و إنما تتعداها إلى المساهمة المتواصلة في رسم معالم القرارات المرتبطة بالشأن العام. و حيث أنه لا يمكن الجيث عن التنمية دون فتح المجال أمام مشاركة حقيقية و فاعلة للمواطنين و تمكنيهم من الاليات الضرورية لإنجاح ورش المشاركة سواء من خلال توفير المعطيات و ضمان الوصول إلى المعلومة أو من خلال تسهيل الولوج إلى التكوين المفضي إلى توسيع دائرة الفهم و الإدراك المتعلقة بالقضايا المجتمعية.

أن الإجتماع الأول التي تم بثه مباشرة على الهواء من خلال استعمال المنصات التكنلوجية الحديثة، جاء ليعبر عن مدى شفافية و انفتاح المبادرة التي أرادت أن تتجاوز كل ما من شأنه أن يعكر صفو صوت الإتحاد حول فكرة إتفق الجميع حول راهنيتها و ضرورة إخراجها إلى أرض الواقع. فالتثمين الذي عبر عنه المشاركون و التعبير عن الإستعداد للمشاركة في الإننخراط الفعال و الإسهام في مراحل التأسيس و الإخراج إلى أرض الواقع بوصفه تحديا يتبث شساعة تجربة المهجر و الكم الهائل من الخبرة المتراكمة سواء على المستويين السياسي و الأكاديمي مما سيضمن نجاح المشروع الذي يستند في طرحه على مجموعة من الأسس يمكن أن تلخص في النقاط التالية:

مغاربة العالم و الأدوار الطلائعية


يقدر عدد المغاربة في الخارج، بحوالي ستة ملايين نسمة، حيث أن كل المؤشرات تؤكد أن هذه الأرقام ستتزايد في غضون السنوات المقبلة بلحاظ الوضع السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي للمغرب و الذي يتسم بانسداد الأفق أمام ديموغرافية شابة تهفو إلى مغادرة الوطن نحو دول الشمال بحثا عن مستقبل أفضل. ويتمركز غالبية المهاجرين المغاربة في أوروبا الغربية حيث تتصدر فرنسا، إسبانيا و إيطاليا لائحة الدول التي تعرف تواجدا هاما لللمغتربين المغاربة
، بالإضافة إلى دول إفريقيا و شمال القارة الأمريكية والشرق الأوسط، إذ أبان تقرير للبنك الدولي، بأن المغرب يعد ثاني مصدر للهجرة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعد مصر.
لقد برهن المغاربة بالمهجر، خلال عقود متواصلة و في جل بقاع المعمور، على أنهم ثروة بشرية قادرة على الانخراط بشكل فعال و إيجابي في بناء أسس الديمقراطية المتينة و الدفع بمسلسل التنمية و التنمية المستدامة.

الطاقات المغربية ببلدان المهجر استطاعت أن تساهم بشكل متواصل في إنعاش الإقتصاد من خلال التحويلات المالية و الإستثمارات الصغرى و المتوسطة، بالإضافة إلى المساهمة في توطيد علاقات المغرب الدولية و نشر تصورات إيجابية عن الوطن بفضل الفعاليات التي اخترقت الحياة الاقتصادية و السياسية الأوروبية، الأمريكية والشرق أوسطية بل وحتى الافريقية، من خلال تواجد مغاربة في مواقع المسؤولية بدول الاستقبال، بل واستطاعوا الإرتقاء إلى مربعات قرار سياسية نافذة من خلال تحملهم حقائب وزارية أو مقاعد بالبرلمان الأوروبي والبلديات والعموديات الأوروبية كما هو الحال في فرنسا، إسبانيا، إيطاليا وهولندا وبلجيكا. هذا النجاح الذي يحققه المغاربة بالمهجر يجعل منها قوة ناعمة وامتدادا استراتيجيا تستطيع أن تلعب أدوارا فكرية و علمية و ديبلوماسية في حال قررت الدولة أن تعتمد مقاربة عمادها تقدير و احترام كفاءات المهجر.
إن استحضار النقاش للأدوار التي تلعبها الجالية المغربية بالخارج وما تزال في خدمة مصالح المغرب ،لا تنحصر في التحويلات المالية فقط، بل تتعداها إلى الأدوار الطلائعية التي لعبتها في مواجهة سنوات الجمر و الرصاص بالإصطفاف إلى جانب كل المناضلين من أجل دولة القانون و المؤسسات و مناهضي الفساد و دعاة الإصلاح السياسي لضمان انتقال ديمقراطي حقيقي و عدالة اجتماعية شاملة تضمن التوزيع العادل للثروات و تفتح المجال لتصريف طاقات الشباب الإبداعية في إطار فضاء عام تتساوى فيه الفرص و تتحقق به دولة الحق و القانون.
إذا كان المهاجرون المغاربة قد ساهموا في احتضان ودعم الحركات النضالية داخل و خارج الوطن وقدموا مختلف أساليب الدعم للمناضلين و أسرهم سواء المادية منها أو من خلال الترافع عن قضاياهم و التعريف بها في الأوساط و المنتديات الدولية، فقد قدموا ضريبة إسهاماتهم من خلال تعرضهم للمضايقات المتواصلة وشتى أنماط التهديد التي كان للوداديات السيئة الذكر بعض الأدوار من قبيل تتبع ونسف أنشطة مغاربة المهجر والوشاية بالمناضلين و المتعاطفين معهم. لذا لم يكن من الغرابة بمكان أن يشير تقرير هيئة الإنصاف و المصالحة إلى ضرورة التخلص من هذه الإطارات التي تحمل رمزية إرث سنوات الجمر و الرصاص و تحيلنا إلى ممارسات اتفق المغاربة على طي صفحتها و ضمان عدم تكرارها في إطار استقبال العهد الجديد و تحقيق المصالحة الوطنية و جبر الضرر سواء بالنسبة للأفراد و الأسر أو الجهات المهمشة.

الدولة المغربية و رواية العهد الجديد

إن المرحلة المسماة بالعهد الجديد، عرفت نوعا من التفاؤل بين أوساط مغاربة المهجر بعد إعتلاء الملك محمد السادس سدة الحكم، الذي أسس لبداية إنفراج عنوانه الأبرز سلسلة من الخطابات التي استجابت للمطالب التاريخية للمهاجرين المغاربة تمثل أبرزها في إحقاق المواطنة الكاملة عن طريق المشاركة السياسية توجت بنصوص دستورية خلال الإصلاح الدستوري الأخير لسنة 2011 .
الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء, شهر نونبر ل 2005 و الذي دعا بصراحة لا تقبل أي تأويل إلى إعتماد مقاربة جديدة في التعاطي مع قضايا الهجرة و المهاجرين تعتمد اليات الإشراك المباشر للمواطنين المغاربة القاطنين بالمهجر في قضايا السياسة و التنمية المجتمعية بأرض الوطن و إعادة الإعتبار لفئة عريضة من المواطنين طالها التهميش و غيبت عن المشهد السياسي المغربي كرها و طوعا.
خطاب 2005 جاء ليؤسس لمقاربة جديدة تدعو إلى إحداث القطيعة مع المقارابات السابقة التي طغى عليها الهاجس الأمني بامتياز ووضع حدا لتداخل الأدوار بين مختلف مؤسسات الدولة العاملة في مجال الهجرة من خلال اعتماد قرارين يقضي الأول بتمكين المغاربة المقيمين بالخارج من تمثيلهم عن جدارة و استحقاق في مجلس النواب بكيفية ملائمة وواقعية و عقلانية و إحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج, أما القرار الثاني فقد تعلق وفقا لمنطوق الخطاب بإحداث مؤسسة المجلس الإستشاري للجالية المغربية بالخارج.
وبالرغم من وضوح الخطاب الملكي, فقد تم الإلتفاف و التحايل عليه من قبل العديد من الأطراف التي قامت بإفراغه من محتواه لتعلن لنا عن ولادة قيصرية وبعيوب هيكلية لمؤسسة مجلس الجالية المغربية بالخارج مما أدى إلى فشلها في تقديم إجابة مقنعة حول مختلف القضايا التي تشغل الفاعلين بالمهجر و عجزت عن كسب الثقة و المصداقية الكافيتين لجعلها تتحول إلى محور أساسي في التعاطي مع قضايا الهجرة.
وفي إطار الالتفاف على التعليمات الملكية تم تحويل مجلس الجالية إلى أداة تساهم في تضييق الخناق على الأطر و الفاعلين بالمهجر على نفس منوال الوداديات التاريخية التي طالبت هيئة الإنصاف و المصالحة في تقريرها الشهير بإلغائها بوصفها تشكل إرثا بشعا لمرحلة سنوات الرصاص و أداة أستعملت فيما مضى لملاحقة المناضلين و الفاعلين و محاصرة الجمعيات الديموقراطية الجادة خصوصا تلك التي عبرت عن استماتتها في الدفاع عن إستقلاليتها و عدم الإنصياع لرغبات و نزوات بعض أعداء الديموقراطية و سماسرة الهجرة.
إن مجلس الجالية المغربية بالخارج أصبح يشكل عائقا حقيقيا أمام التطلعات المشروعة للمهاجرين المغاربة، فالمؤسسة التي تستنزف إمكانيات مالية مهمة من مقدرات الوطن و أموال دافعي الضرائب، أصبحت وضيفتها الأساسية مراوغة قضايا المهاجرين و تركيز الجهود على تأييد الوضع الحالي للمؤسسة حيث يواصل الأعضاء استفادتهم من الرواتب السخية و صرف الميزانيات دون رقابة أو محاسبة.
فإذا كانت اللجان لا تعقد لقاءات منظمة، ورئيس المجلس يقف ضد المشاركة السياسية و يدعو إلى إلى الإندماج بدول المهجر مع ابقاء التركيز على قضيتين محوريتين هما تحويلات المهاجرين المغاربة و الأمن بما فيه الشق المرتبط بالشأن الديني، فالمجلس بالنتيجة ومنذ تأسيسه يعمل على محاربة كل الأصوات التي تطالب بالمشاركة السياسية و لم يقدم أي اقتراح عملي و بديل للتبريرات التي تقدمها الحكومة، رغم أن من أولوياته الدفاع عن مصالح و حقوق المهاجرين المغاربة، و يكتفي المجلس بوصف عملية المشاركة السياسية بكونها عملية معقدة تواجهها عراقيل قانونية و سياسية و لوجيستية.

إن تهافت خطاب الدولة التي تدعي الوقوف إلى جانب مواطنيها بالمهجر تفنذه الممارسة العملية حيث اختبرنا سياسات الدولة إبان الأزمة الإقتصادية العالمية التي ضربت كل اقتصادات العالم ابتداء من سنة 2007، و التي تابعنا من خلالها تخلي الدولة عن مسؤولية الدفاع عن مواطنيها الذين شكلوا حطبا للأزمة الإقتصادية بالعديد من دول المهجر و تعرضوا للكثير من الإنتهاكات و أصبحوا عرضة للمضايقات و هدفا لتفريغ الكراهية و العنصرية بالإضافة على الخسائر الفادحة التي طالت المهاجرين المغاربة الذين خسروا عقاراتهم بالمهجر بعد سنوات من الكد وتهاوت مقاولاتهم الإقتصادية. لم تكلف الدولة نفسها عناء تقديم المساعدة أو التوجيه لحماية مصالح مواطنيها بالمهجر ليسقطوا ضحية سماسرة الأزمات الإقتصادية.
نفس السياسات أطلت علينا منذ بداية انتشار الوباء العالمي الأخير، حيث تخلت الدولة عن مسؤوليتها في نقل جثامين المغاربة المتوفون خارج الوطن، و سارعت إلى إغلاق الحدود مخلفة الاف العالقين داخل و خارج الوطن دون الأخذ بعين الإعتبار الأوضاع الإجتماعية و القانونينة و التبعات الإقتصادية على هؤلاء المغاربة.

أما فيما يتعلق بالمؤسسة الوزارية فإن مجرد الإنتقال من تخصيص وزارة مكتملة الأركان إلى وزارة مكلفة بالجالية المغربية تشتغل وكأنها قسم تابع لوزارة الخارجية وحده بحيلنا إلى تدني أهمية قضايا الهجرة لدى الدولة في الوقت الذي ارتفعت العديد من الأصوات بالمطالبة بأن تتحول وزارة الهجرة إلى حقيبة سيادية نظرا للدور الإستراتيجي الذي يمثله مغاربة العالم سواء بالنسبة للإقتصاد الوطني أو من خلال دور الديبلوماسية الموازية التي يمكن أن يقوم به المهاجرون المغاربة بالخارج.
لم يعد خافيا على كل المتتبعين درجة الإفلاس التي وصلت إليها الوزارة المكلفة بالجالية المغربية بالخارج و تدني مستوى الأداء الشئ الذي يحتم طرح مجموعة التساؤلات حول الدور الحقيقي للمؤسسة و الأسباب الطامنة وراء الفشل الذريع في تحريك حتى أبسط الملفات المرتبطة بالهجرة، حيث أصبحت الهجرة متخصصة في انشاء منصات رقمية رديئة الجودة و متدنية المستوى فيما يخص المحتوى.

الأحزاب السياسية بين الإرتباك و التبعية للدولة

الإرتباك الذي تعيشه الأحزاب معا فيما يخص مشاركة مغاربة الخارج في تحديد معالم السياسات العمومية من خلال التواجد في مختلف مؤسسات الدولة و المجالس التي تمت دسترتها بمناسبة الإصلاحات الدستورية الأخيرة. هذا الجدل الذي تعرفه الساحة السياسية كلما أطلت استحقاقات إنتخابية نجده أمرا طبيعيا خصوصا إذا استحضرنا واقع الأحزاب المغربية التي لا تنظر إلى القضايا الوطنية إلا من خلال زاوية مصالحها الضيقة وإعمالها لمبدأ الغنيمة السياسية، الأمر الذي نلحظه في نوع التعاطي مع المستجد الذي حملته رياح الإصلاح الدستوري و القاضي بإشراك المواطنين المغاربة بالمهجر.
العامل ذاته يمكننا من فهم التناقض الصارخ و التضارب الذي بدا واضحا من خلال مواقف الأحزاب بين تلك التي تدعو إلى إلحاق المرشحين المغاربة المقيمين خارج الوطن باللائحة الوطنية بينما ترى أخرى ضرورة إحداث تقطيعات إنتخابية بدول الإستقبال لكن الملاحظ أن كل هذه الأحزاب لم تقم بأية مبادرة بهدف استقصاء أراء مغاربة العالم و الأنصات لمطالبهم المرتبطة بالشأن و أخذها بعين الإعتبار.
هاته الأحزاب نفسها هرولت في مناسبة أخرى نحو بلدان المهجر من خلال لقاءات تواصلية مع أفراد الجالية لكن سرعان ما عادت أدراجها عندما تحججت الدولة بالصعوبات اللوجيستية في ضمان مشاركة المهاجرين في استحقاقات سنة 2007 الدولة أيضا لم تكلف نفسها عناء التواصل مع المهاجرين و إطاراتهم المدنية قصد الإصغاء لأراهم حول الموضوع و إشراكهم في ورش مغرب الحاضر و المستقبل هذا التغييب لرأي المهاجرين و خصوصا في المرحلة التاريخية و الحساسة التس يعيشها المغرب و خمول الأحزاب و عدم إظهار أي اهتمام بالموضوع و تغييبه المقصود عن الواجهة الإعلامية الوطنية على عكس الماضي.
على نفس المنوال السابق، الحل الترقيعي المعتمد من قبل وزارة الداخلية بالنسبة للإستحقاقات المقبلة لا يقدم ضمانات حقيقية تمكن من تواجد صوت معبر عن المواطنين المهاجرين وقضاياهم بل يمكن أن يفسح المجال أمام بعض أقطاب الدولة المحافظة الإنقلاب على روح الدستور من خلال الإستعمال خارج إطار التوجه و المقاربة الجديدة للدولة لمجموع الأجهزة و المؤسسات العاملة في شأن الهجرة على مختلف المستويات بهدف إحكام السيطرة على النسيج المدني بالمهجر كما جاء في العديد من تقارير أجهزة الإستخبارات الأوروبية التي أشارت بشكل متواصل الى ضلوع الدولة المغربية في تطبيق مخطط يقضي بالإستحواذ على قرار الإطارات الجمعوية بأوروبا و تزكية عملائها ليتم تقديمهم إلى الأحزاب السياسية بوصفهم مناضلين حزبيين بالخارج يساهمون في تأتيث المشهد السياسي في إطار عملية تزوير محكمة أبطالها المال و الأجندات الرسمية في توافق مع الأحزاب التي تعتبر الحل بمثابة هدية و خدمة مجانية لتضع وفقا لمصالحها و إرضاء لقادتها أسماء ذويهم بالمهجر أو لتصبح هاته الأحزاب ولية نعمة بعض المحسوبين على الهجرة الشئ الذي يؤدي إلى إعاقة الأداء السياسي والإبتعاد عن الهدف الرئيسي لهذه المشاركة.
عند إقتراب الإستحقاقات التشريعية بالمغرب، نلحظ استيقاظا لبعض الفاعلين من سباتهم العميق و تتكاثر البيانات و البلاغات هنا و هناك، مطالبة بإيجاد مخرج لملف المشاركة السياسية لمغاربة المهجر، تحقيقا لمطلب تاريخي عادل، إذ إستطاعت الدولة من خلال سياسة التسويف و المماطلة أن تحقق أرقاما قياسية في إنتاج أجود إبداعاتها التي تتفنن دائما في مراوغة الملف و تجاوزه.
الفاعلون السياسيون الحزبيون، الذين عانقوا ماركات حزبية مغربية سواء عن إستحقاق و جدارة أو من خلال أساليب ملتوية لا مبرر أخلاقي لها سوى غاية في نفوس بعض سماسرة المهجر الذين يلمحون الفرصة الثمينة فيسيل اللعاب و تبرز المخالب في إستعداد تام للإنقضاض على المقعد والإلتحاق بنادي الريع العمومي حيث الحصانة و الإمتيازات التي تسمح بملأ مذكرة الهواتف بأرقام النافذين و أصحاب القرار.
هذا الإصرار الموسمي الذين يطفوا في الوقت الضائع، يستعصي فهمه على بقية المتتبعين حتى وإن حاولوا عن حسن نية وضعه في خانة النضال السياسي و الحقوقي النزيه، لأنه وبكل بساطة يغيب طيلة مرحلة السبات التي تلي الإنتخابات. في غياب تام لثقافة العمل المؤسساتي الذي يرتكز على ثقافة المراكمة في إطار عمل جماعي دؤوب و متواصل، ووفقا لأرضية فكرية متماسكة و أجندة أعمال مجدولة بإنتظام لتحقيق تقدم متواصل ولو بخطوات صغيرة
.

إن تعامل الأحزاب السياسية الموسمي و اهتمامها المحتشم بملفات الهجرة الذي يبرر غياب تصورات متكاملة حول قضايا المهاجرين في برامجها و أنشطتها، بالإضافة إلى تأخر الأحزاب عن مسار الدولة نفسها مما يجعل منها مجرد تابع ينجر وراء قاطرة الدولة منتظرا التعليمات بدل المساهمة في انتاج المواقف و غير قادر على مسايرة ماكينة مؤسسات الدولة التي تضم خيرة الأطر و الكفاءات و تعمل وفقا لمعايير إدراة و تسيير تعتمد المعرفة و احترام القواعد.
الأحزاب السياسية ليس لها أي وزن يذكر بالنسبة لعموم المهاجرين المغاربة نظرا لغياب الدور التأطيري المفترض بها ممارسته على إعتبار أن الكيانات السياسية المغربية أمست غير قادرة على ممارسة دورها داخل الوطن، بل أصبحت ظاهرة الهجرة الحزبية تؤثر سلبا على الفضاء العام و تعمل على تسميم العلائق بين مغاربة المهجر من خلال العمل على هجرة مقاربات الفساد و الريع و الإنتهازية تحت عنوان العمل السياسي.


مغاربة المهجر و اختلال ميزان الأولويات الجماعي

العمل الجماعي يعيش أزمة خانقة منذ وقت طويل و الأسباب الذاتية و الموضوعية منها لا يمكن حصرها في هذه الورقة، بل يحتاج الأمر إلى إنكباب ثلة من الباحثين الأكادميين و الميدانيين منهم لتسليط الضوء على مجموع الظواهر الإجتماعية التي تقف وراء تقهقر دور النسيج الجماعي للمغتربين المغاربة في تأدية الدور المحوري المنوط به، و عجزهم عن بناء منصات مجتمعية تدفعهم نحو تحقيق الإرتقاء.
مغاربة المهجر أنجزوا غالبية الأهداف التي هاجروا من أجلها، من قبيل الدراسة أو الحصول على عمل أو تسوية الوضعية القانونينة بالإضافة إلى بناء مشاريع اقتصادية و إيجاد فضائات العبادة و الترفيه، هذا دون إغفال اقتنائهم للعقارات سواء بدول الإستقبال أو بالمغرب. و نجحوا في تحقيق الكثير من المكتسبات على مختلف المستويات، لكن تبقى هده الإنجازات فردية تهم الأفراد و الأسر بالدرجة الأولى وسط غياب حقيقي لثقافة عمل جماعي متماسك يوضع كهدف استراتيجي على لائحة الأهداف المستقبلية بهدف توحيد صف الأطر و الكفاءات التي إستطاعت أن تحقق ذواتها سواء في الحقل الأكاديمي أو العلمي أو في المجال المقاولاتي، بل حتى تلك التي تنتمي إلى الأجيال اللاحقة من أبناء المغتربين الذين تمكنوا من الإلتحاق بمؤسسات دول الإقامة سواء أفقيا أو عموديا عن طريق تحقيق الإندماج و الإستفادة من هامش إنفتاح هاته الدول على من تعتبرهم أبناءها و إحترامها لكفاءتهم و الإستفادة منها، حتى وإن أعتبر الهامش ضيقا جدا نلاحظ المآسي التي تعيشها شرائح أخرى سقطت ضحية للجريمة و الإنحراف كنتيجة منطقية لممارسات مؤسساتية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها إقصائية وفقا لعنصرية منهجية و منظمة متفق عليها كقانون صامت لم تكتب فصوله على ورق، لكنه رغم ذلك يبقى باديا للعين الملاحظة خصوصا أما تنامي التيارات الشعبوية و العنصرية وانتشار الإسلاموفوبيا في أوساط مجتمعات الإستقبال.
لذلك، فالنسبة لموضوع المشاركة السياسية فمغاربة المهجر لا يبدون اهتماما كبيرا بهذا الحق المشروع، باستثناء الجمعويين و السياسيين و المثقفين الذين يدركون مدى أهمية المطلب و تأثيره على الوضع الإجتماعي لمغاربة المهجر. هذا الإختلال في لائحة الأولويات يعطي مبررا اخر للمتحكمين في كوالييس اللعبة السياسية بالمغرب للإلتفاف على الحق المكفول دستوريا و التحجج بغياب الإهتمام كذريعة للتراجع عن أحد الحقوق الذي دفع المناضلون و المناضلات بالمهجر فواتير باهضة و لسنوات طويلة من أجل اكتسابه.
إن الكفاءات و الأطر المغربية بالمهجر مطالبة بتوسيع دائرة التأطير البيداغوجي للمهاجرين المغاربة من خلال استغلال حكيم لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الإجتماعي قصد توضيح الرؤية و تصحيح الإختلال الذي يطال سلم الألويات لدى المواطن المغربي بالمهجر.

خلاصات أساسية

وعليه فإن الخلاصات التي نقف عليها اليوم بفيد بأن:

  • أن الدولة المغربية لا تمتلك الإرادة الحقيقية لإشراك المواطنين المغاربة بالمهجر، كما أنه لا توجد مؤشرات وازنة تدعم فرضية تغيير موقف الدولة الحالي بعد ما لاحظناه خلال عقود من نهجها لسياسة المراوغة و التسويف و أخيرا الإلتفاف على كل المواقف و القرارات التي تم إعلانها خلال مختلف المحطات. هذا الإلتفاف طال كل من فصول الدستور و الخطابات الملكية ضاربا بعرض الحائط عقودا من نضالات المجتمع المدني و الفاعلين السياسيين و الحقوقيين و متراجعا عن مكتسبات لم تتخطى مرحلة الكتابة بعض من الفصول على الورق.
  • أن الدولة والمؤسسات التابعة لها مارست مؤامرة إفراع النصوص الدستورية من روحها و بالنتيجة تعميق هوة غياب الثقة و المصداقية لدى كل مكونا ت الفضاء السياسي المغربي، لا بل في جدوى العمل السياسي رغم تضييع الدولة، مؤسسات و أحزابا، للكثير من الوقت فيما مضى.
  • أن لعبة لف المكاسب و الإلتفاف عليها و التي تحاول بعض الأطراف القيام بها فهي تشكل مؤامرة حقيقية في حق مغاربة العالم و انقلاب على قيم وروح الدستور و الديموقراطية بشكل عام.
  • أن المؤسسات المعنية بملفات الهجرة وخصوصا مجلس الجالية المغربية بالخارج و الوزارة المكلفة بالجالية أتبثت فشلها و إفلاسها في تدبير تنزيل حقيقي لمطالب المواطنين القاطنين بالخارج هذا النهج هو وحده الكفيل بضمان ولادة طبيعية و شرعية لمشاركة حقيقية و فاعلة ستشكل حتما رافعة للوطن و مدخلا لأستعادة الثقة في نبل العمل السياسي ببلدنا و مزيدا من التركيز لقيم الديموقراطية الفعلية وسد الباب أمام الريع و الإنتهازية القاتلة التي تطبع الفضاء السياسي و المدني بالخارج حيث تبقى رياضة الهرولة هي النشاط الأبرز للعديد من هواة التزلف وممارسي التزوير المجتمعي ولصوصية التمثيلية الكاذبة. لذلك فإن هذه المؤسسات لم تعد موضع ثقة لدى الفعاليات بالمهجر و فقدت بالتالي و ضعها الإعتباري كمخاطب ذو مصداقية يمكن التعويل عليه في التعامل مع ملفات الهجرة.
  • أن الأحزاب السياسية تعيش و ضعا كارثيا غير مسبوق يجعلها عاجزة عن القيام بدورها الدستوري و فاقدة لثقة المواطنين الذين يراقبون مسلسل التدني الأخلاقي و القيمي لهذه الأحزاب و التنازل المستمر عن الدور الطبيعي المنوط بها لتتحول إلى مقاولة سمسرة في سوق التزكيات الحزبية و دكاكين تضارب في بولصة المقاعد بعيدا عن ثقافة البرامج الوطنية و المبادئ النبيلة.
  • أن التقرير الجديد المنجز من قبل لجنة المشروع التنموي الجديد جاء هزيلا فيما يخص وضع و دور مغاربة العالم و تجاهل بشكل صارخ التطرق إلى مواطنتهم و حقوقهم السياسية و فضل الإرتماء في أحضان رؤية مجلس الجالية المتمثلة في المناورات الحثيثة بغية اقصاء المهاجرين المغاربة من دتئرة المواطنة و المشاركة السياسية.
  • أن كل المؤشرات تشير إلى محاولة الدولة لإعادة إنتاج كيانات شبيهة بالوداديات التاريخية السيئة الذكر و التوجه نحو تعميم خطاب لاديمقراطي عنوانه الأبرز تبخيس دور المشاركة السياسية داخل و خارج الوطن و المناداة باعتماد التكنوقراط لإدارة المرحلة المقبلة، أو من خلال تعميم ثقافة الخوف من تداعيات مشاركة سياسية قد تفتح المجال أمام تقوية أحزاب معينة أو تتيح الفرصة لمشاركة الحركات الصهيونية في صناعة القرار بالبرلمان المغربي في حال تمكين الجاليات من المشاركة السياسية بعد الإتفاق الأخير القاضي بإعادة فتح العلاقات مع دولة إسرائيل.

أمام هذه الهجمة الشرسة و الممنهجة التي تهدف إلى الإجهاز على المكتسبات و الحقوق المشروعة لمغاربة العالم، و بالنظر إلى كل المعطيات التي تقدم ذكرها، فإن التساؤل المنطقي و الطبيعي يجب أن يكون حول سبل مواجهة هذا الإعتداء اللامشروع الذي يطال المغتربين المغاربة وأسرهم و التفكير في بديل حقيقي يضمن العمل على إيصال صوت المهاجرين و الدفاع عن المصالج و المكتسبات.

إن فكرة برلمان ـ المهجر أو الشتات أو المنفى أو مغاربة العالم أو المهاجرين المغاربةـ التي تأتي كمقترح تقدم به المركز الأوروبي للإعلام الحر كبديل موضوعي مفتوح أمام كل الفعاليات الصادقة في مسعى الدفاع عن حقوق المهاجر المغربي و المرافعة عن قضاياه الأساسية و في مقدمتها مسألة المواطنة الكاملة و المشاركة السياسية المكفولة دستوريا.
المبادرة لا تهدف بأي حال من الأحوال إلى التحول إلى قنطرة أو مصعد يستعمل للوصول إلى تحقيق مواقع بالبرلمان المغربي أو المؤسسات المغربية، كما أنها لا يمكن أن تشكل وسيلة تمتطيها الفعاليات بغية تحسين مواقعها داخل الهياكل التنظيمية للأحزاب السياسية المغربية و لا تسعى إلى الإستفادة من أي ريع مالي بقدر ما تصبو إلى:

  • خلق بدائل لإيصال صوت المهاجرين من خلال بناء مؤسسة تقدم هياكلها التنظيمية أدوات التمثيلية الحقيقية و الشرعية بولادة طبيعية. المبادرة تطمح إلى تجاوز اللعبة الموبوءة بأكملها و الإستغناء عن وساطة المؤسسات و الهيئات التي تتأمر و تعرقل مسار تحقيق المواطنة الكاملة و التوجه من خلال خطابها إلى أعلى هرم الدولة
  • تركيز العمل بالمهجر و الإهتمام بقضايا المهاجرين بدول الإستقبال من خلال الإنفتاح على المؤسسات و الإطارات المدنية و خلق برامج تستهدف الرأي العام الأوروبي بشكل عام ومغاربة المهجر على وجه الخصوص في إطار تعميم أفكار و مقترحات كفيلة بتحقيق الأهداف المسطرة من قبل مبادرة البرلمان.
  • إنتاج كل البيانات و البلاغات الموجهة للصحافة و الرأي العام و التي تناقش مشاريع القوانين و تتضمن الردود على قرارات الحكومات و البرلمانات سواء بالمغرب أو بدول اللإقامة و التي لها صلة بواقع المهاجر المغربي، و ذلك وفقا للمواقف المصادق عليها ديموقراطيا ضمن هياكل البرلمان المزمع تأسيسه و التزاما بالمساطر التي ستنجز في حينه لضمان تصريف ديمقراطي للقرارات.
  • العمل على تقديم مقترحات مشاريع قوانين لبرلمانات دول الإستقبال و المغرب و إدراة حملات الدعم المناسبة و ذلك للمطالبة بسن أو إحداث قوانين في إطار التطبيق لمبدأ الديمقراطية التشاركية التي تنمح المواطنين الحق في صناعة القرار و لا تحصر العملية الديمقراطية في مسألة الإدلاء بالصوت عند الإستحقاقات فقط.
  • إنجاز دراسات و أبحاث مرتبطة بالظواهر الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية و التي تأخذ بالدراسة و التحليل قضايا الهجرة بمختلف أبعادها و القيام بكل الإستطلاعات لجرد الإشكالات الحقيقية التي يواجهها المهاجرون المغاربة من خلال علاقتهم بالمغرب أو دوول الإستقبال .
  • إنجاز تقارير سنوية و أخرى دورية حول اسهامات مغاربة المهجر على مختلف الأصعدة و المستويات، بالإضافة إلى تقارير حول الوضع السياسي و الحقوقي للمغرب.

مقترح الهيكل التنظيمي و شروط الترشح

مبادرة البرلمان تهدف إلى تأسيس فضاء يضمن تمثيلية قطرية لمغاربة المهجر، ومن أجل تحقيق أكبر قدر من التمثيلية و بغرض ضمان انبثاقها بشكل طبيعي و شرعي و تحقيق ارتباطها بجماهير الهجرة المغربية فإن الهيكل الإطار يمكن أن يتحذ الشكل التالي:

  • الجمعية العامة: أو المؤتمر و هو أعلى هيئة تقريرية للبرلمان تتخذ قراراتها بشكل ديمقراطي، يمكن تحديد عدد الأعضاء بين 200 إلى 300 برلماني موزعين على بلدان الإقامة وفقا لإحصائيات المغاربة المقيمين بكل دولة. تجتمع كل سنتين و تقوم بانتخاب مجلس التنسيق الدولي.
  • مجلس التنسيق على مستوى الدولة: و هو ثاني أعلى هيئة تقريرىة تضم منسقي الدول و تجتمع كل سنة، و ينبثق عنه مجلس رئاسة البرلمان.
  • مجلس رئاسة البرلمان: يشكل الجهاز التنفيدي للبرلمان و يعمل على تنفيذ البرامج و الاستراتيجيات المصادق عليها خلال الجلسة العامة أو مقررات مجلس التنسيق الدولي.
  • المجالس على مستوى الدولة: كل دولة من دول الإستقبال يوجد بها مجلس واحد يترأسه منسق منتخب الذي بدوره يشغل عضوية مجلس التنسيق.
  • هيئة التحكيم: يتم انتخابها خلال الجلسة العامة و تكمن وضيفتها في النظر في التزاعات الداخلية و مدى قانونية المساطر المتبعة من قبل هياكل المبادرة

في حين يتعين على المؤسسين خلال المرحلة الإنتقالية وضع ورقة تنظيمية تؤطر شروط الترشح و الإنتماء إلى المؤسسة و اليات العمل كالقانون الداخلي و وثيقة الإلتزامات الأخلاقية.

RSS
Follow by Email
YouTube
YouTube