د.نورالدين الوكيل

لا يمكنك وأنت تشاهد كيف يرمي شباب مغربي في زهرة العمر بأنفسهم في جوف البحر بالفنيدق طمعا في الوصول إلى سبتة، سوى أن تشعر بغصة في الحلق وبدمعة حارة تنزل من العين أسفا على هذا اليأس الكبير الذي استوطن النفوس.
يعتقد الناس أن العشب أكثر اخضرارا في حقول الآخرين، ولذلك هناك دائما رغبة جامحة في مغادرة الوطن نحو أوطان الآخرين. فالجنة هي الخارج والجحيم هو الداخل، حسب ما يعتقده الناس.
سوى أن لا جنة هناك في الخارج بل جحيم من نوع آخر وعذابات من أصناف وألوان أخرى.
لكن اليأس وانسداد الآفاق والشعور الفادح بالظلم يجعل الإنسان مستعدا للانتحار من أجل أن يغير وضعه، حتى ولو كان الأمر مجرد تغيير لجحيم بجحيم وعذابا بعذاب.
فما أقدم عليه هؤلاء الشباب، ضحايا سياسات عمومية ظالمة، ليس شيئا آخر سوى الانتحار، فرميهم لأنفسهم في جوف البحر هو التجسيد الأسمى لفقدان الأمل في غد أفضل داخل بلدهم.
والحل ؟
هل هو إعادة فتح المدينة أمام مافيات التهريب ؟ هل هو عودة تلك الصور المهينة لمئات النساء المحملات بالرزم وهن يصرخن تحت سياط حرس الحدود الإسباني ؟
هل هو الإبقاء على المعبر مغلقا وترك آلاف النساء والرجال والشباب الذين كانوا يعيشون على عائدات التهريب يموتون ببطء ؟
لقد تدخلت وزارة الداخلية ووفرت للعاملين في القطاع غير المهيكل بالفنيدق دخلا ماليا، لكن هل هذا الدخل سيستمر إلى ما لا نهاية ؟ الناس تريد أن تعلموها الصيد لا أن تعطوها سمكة كل يوم. الناس تريد برنامجا اجتماعيا واقتصاديا ينتشلهم من الفقر والحاجة والتسول عند أبواب الجيران.
إن صورة هؤلاء الشباب الذين رموا بأنفسهم في البحر تسائلنا جميعا، لأنها تعطي عنا صورة بلاد تلفض أبناءها، وهي صورة لا تشرف أحدًا.
سيقول البعض أن هؤلاء الشباب ليس لديهم ما يخسرونه وأنهم يشوهون صورة البلد بما قاموا به في ظرفية يحتاج فيها المغرب لتقوية موقفه التفاوضي مع شركائه.
سيقول البعض ماذا يوجد في سبتة هذه ؟ هاهم وصلوا إليها فماذا بعد ؟ هل يعتقدون أنهم سيعثرون على شغل في مدينة تحتضر منذ سنة ؟ هل يعتقدون أنهم سينجحون في العبور نحو الجزيرة الإيبيرية وسيعثرون على عمل وسكن ؟ ألا يعرفون أن الإسبان أنفسهم بسبب الجائحة أصبحوا عاطلين عن العمل ؟
نعم جزء من هذا صحيح، لكن ضعوا أنفسكم مكانهم، شباب في مقتبل العمر مفعم بالحياة، يكتشف فجأة أن كل ما تقدمه له بلاده هو صخرة صماء لكي يكسر عليها أحلامه. شباب مثل هذا ماذا تتوقع منه أن يصنع غير مطاردة السراب ولو تطلب الأمر الارتماء وراءه في جوف البحر.